كلام ترابلة-عزيزة المعراج تكتب- قطن “السودان” بين سندان البيروقراطية ومطرقة الانهيار الاقتصادي

بينما تُصاغ الخطط وترفع الشعارات حول “النهضة الزراعية”، يستيقظ الواقع السوداني على فاجعة تنذر بخروج أحد أهم المحاصيل النقدية من دائرة الإنتاج. الوثائق المسربة والمناشدات المرفوعة من اللجنة القومية للقطن واتحاد منتجي ومصدري القطن إلى السيد وزير الزراعة، لا تحمل مجرد طلبات روتينية، بل هي “صرخة استغاثة” أخيرة لإنقاذ موسم زراعي يترنح تحت وطأة غياب التقاوي وتجاهل الحقائق الميدانية.
المفارقة الصادمة هي مساحات مليونية.. وجوالات خاوية!
تتحدث الأرقام بمرارة تفوق مرارة الواقع؛ فنحن أمام استهداف زراعة 2 مليون فدان في القطاع المطري، و 700 ألف فدان في القطاع المروي، لكن المحصلة في مخازن التقاوي الرسمية هي “صفر” للمطري، و 70 طناً فقط للمروي! هذه الأرقام ليست مجرد عجز إداري، بل هي حكم بالإعدام على العائدات الدولارية التي كانت ترفد الخزينة المنهكة.
معضلة “تقاوي المحور” (RR): لماذا الإصرار على الاستثناء؟
تُسلط الرسائل المرفوعة الضوء على قضية جوهرية ، وهي المطالبة باستثناء استيراد تقاوي قطن محور PTRR و القطن البرازيلي RR. والتحليل هنا يرتكز على عدة نقاط قوة لا يمكن للقرار السياسي تجاوزها:
الكفاءة الإنتاجية: أثبت القطن البرازيلي (RR) نجاحاً منقطع النظير في السودان، حيث قفزت الإنتاجية في بعض التجارب (مثل منطقة ود هلال بمشروع الجزيرة) إلى 27 قنطاراً للفدان، وهو رقم يتجاوز بمراحل إنتاجية الأصناف التقليدية.
الأمن القومي والعمالة: يطرح المزارعون بُعداً أمنياً خطيراً؛ فالأصناف الصينية والهندية تتطلب عمالة يدوية كثيفة لعمليات “الكديب”، وهي عمالة كانت تأتي تاريخياً من دول الجوار (إثيوبيا وجنوب السودان). في ظل التوترات الحدودية والوضع الأمني الراهن، يصبح الاعتماد على هذه العمالة مخاطرة أمنية وعبئاً مالياً، بينما توفر تقاوي (RR) مقاومة طبيعية للحشائش، مما ينهي الحاجة للعمالة اليدوية.
تدهور السلالات المحلية: تشير الوثائق إلى أن الأصناف “البلدية” التي كانت تنتجها البحوث الزراعية قد انتهت فعلياً بعد الحرب، وما تبقى من تقاوي لدى المزارعين تدهور بسبب تكرار الزراعة لـ 15 عاماً دون تجديد، مما أدى لتقلص المساحات والمحصول.
إن اتهام التقاوي المحورة وراثياً بأنها تضر بالبيئة أو السلامة الحيوية هو حديث “حق أُريد به باطل” في سياقنا الحالي ، فالمستندات تؤكد أن هذه التقاوي موجودة في التربة السودانية منذ 15 عاماً دون ظهور أي آفة أو مرض استثنائي. بل إن الاستمرار في منع استيراد تقاوي “أمهات” نقية سيؤدي إلى استمرار “الإنتاج العشوائي” للتقاوي، وهو الخطر الحقيقي على السلامة الحيوية.
وفي ميزان الربح والخسارة السودان، الذي صُنف يوماً كأحد أكبر منتجي القطن في أفريقيا (بعد جنوب أفريقيا وبوركينا فاسو وبنين)، يواجه الآن خطر فقدان استثماراته في البنية التحتية التي تشمل أكثر من 40 محلجاً منتشرة في الولايات، وآلاف الحاصدات التي كلفت ملايين الدولارات، والتي ستتحول إلى “خردة” إذا لم تتوفر التقاوي المطلوبة.
خلاصة القول أن القرار المطلوب الآن ، و الكرة الآن في ملعب وزير الزراعة واللجنة القومية للقطن. المطلوب ليس مجرد “دراسة” بل “قرار شجاع” باستثناء استيراد تقاوي المحور (RR) فوراً وبضمانات علمية ورقابة من البحوث الزراعية.
إن التمسك ببيروقراطية القوانين القديمة أمام واقع تفرضه الحرب وتغيرات السوق العالمي هو انتحار اقتصادي. فهل تستجيب الحكومة لصرخات المنتجين قبل أن يلفظ “ذهبنا الأبيض” أنفاسه الأخيرة؟
آخر الكلام:
رسالة إلى المسؤولين: إن إهمال توفير التقاوي لـ 2.7 مليون فدان ليس خطأً فنياً، بل هو تفريط في سيادة الدولة الغذائية والاقتصادية.




