عزيزة المعراج تكتب أطباء السودان.. التحول الرقمي هل هو باب للتيسير ام عائقٍ وتجربةٍ مريرة

في الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى كل يدٍ تضمد جراح أهله، وتدفع عنهم غوائل المرض، يُصدم الوسط الطبي بواقعةٍ تعكس خللاً إدارياً وتقنياً لا يمكن الصمت عنه؛ واقعة وضعت مستقبل آلاف الأطباء في مهب الريح، وأثارت علامات استفهام كبرى حول منهجية إدارة “المجلس الطبي السوداني” لأهم ملفات الكادر البشري في البلاد.
لقد استبشر آلاف الأطباء خيراً بإعلان المجلس عن استيعاب (7000) طبيب للجلوس لامتحان مزاولة المهنة، وتأهب الجميع للتسجيل في الموعد المحدد. ولكن، وبدلاً من أن يكون التحول الرقمي باباً للتيسير، تحول إلى عائقٍ وتجربةٍ مريرة. فكيف يعلن المجلس عن سعةٍ بالآلاف، ثم تُغلق الأبواب فعلياً بعد دقيقة واحدة من انطلاق المنصة؟ وكيف تنهار البنية التقنية لمؤسسة عريقة أمام ضغطٍ كان من الواجب التنبؤ به والاستعداد له؟
إن ما جرى اليوم ليس مجرد “عطل فني”، بل هو إخفاق إداري ذريع يتجاهل سنوات الانتظار التي قضاها هؤلاء الأطباء بين محطات “القسم” و”الامتياز” و”التسجيل التمهيدي”. إن رهن مستقبلي مهني كامل بـ “منصة” غير جاهزة، هو نوع من التخبط الذي لا يليق بمؤسسة تدير شؤون حكماء الأمة.
وهنا، نضع الحقائق والتساؤلات أمام الرأي العام والمسؤولين:
تناقض الأرقام والواقع: لماذا يتم الإعلان عن فرص لـ (7000) كادر، بينما تعجز المراكز والمنصة عن استيعابهم فعلياً؟ أين الشفافية في إدارة هذه السعة؟
إقصاء الحلول العملية: لماذا الإصرار على حصر الامتحانات في مراكز محدودة واستبعاد خيار “المراكز الخارجية”، رغم أنه حلٌّ استراتيجي يضمن العدالة للأطباء المتواجدين في الخارج أو في الولايات البعيدة؟
المسؤولية الأخلاقية والمهنية: هل يدرك المجلس أن “دقيقة واحدة” من الفشل التقني تعني سنة إضافية من العطالة والانتظار لآلاف الأطباء؟
وبناءً على ما تقدم، وانطلاقاً من مسؤوليتنا الصحفية، نطالب بالآتي:
المعالجة الفورية والعادلة: إعادة فتح باب التسجيل فوراً عبر منصة مؤهلة تقنياً تضمن تكافؤ فرص الوصول للجميع، لا لمن يملك “إنترنت” أسرع فقط.
توسيع السعة الاستيعابية: زيادة عدد المراكز الحقيقية لتتناسب مع الأعداد المعلن عنها، وتفعيل خيار الامتحانات بالخارج لرفع الضغط عن الداخل.
الشفافية والجدولة الصارمة: إصدار توضيح رسمي لما حدث، ووضع تقويم زمني ثابت للامتحانات القادمة، لينهي حالة “الارتباك” التي يعيشها الطبيب السوداني.
إن أطباء السودان هم رصيدنا المتبقي، والتعامل مع تطلعاتهم بـ قصور تقني وإداري هو تبديد لهذا الرصيد. القضية ليست مجرد “تسجيل للامتحان”، بل هي احترام لمهنة الطب وقدسية الوقت وحقوق الكادر الذي ينتظر منه الوطن الكثير.



