كلام ترابلة – عزيزة المعراج تكتب – ناقوس الخطر بين “بريق المعدن” و”سموم الأرض”: صرخة أكاديمية لإنقاذ إنسان السودان

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
لم يعد الصمت خياراً أمام زحف السموم الذي يرافق حمى الذهب في بلادنا؛ فبينما تتصاعد أرقام الإنتاج واضعةً السودان في مقدمة الدول الأفريقية، يتمدد في المقابل خطرٌ صامت يهدد النسيج الحيوي والبيئي في مناطق واسعة من دارفور إلى نهر النيل وأبو حمد. وفي تجسيدٍ حي للمسؤولية الوطنية والأكاديمية، انبرت “منظمة الوفاء لجامعة الجزيرة” بالتعاون مع “رابطة خريجي جامعة الجزيرة” لقرع ناقوس الخطر، عبر ندوةٍ استشرافية التأمت عبر الفضاء الرقمي، لتضع الحقائق العلمية في مواجهة العبث البيئي المستمر.
في هذه التظاهرة العلمية التي أدارها ببراعة الدكتور عادل عوض الجيد، استعرض المتحدث الرئيسي، البروفيسور نصر الدين كباشي (من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا)، ورقةً علميةً رصينة كشفت عن وجه التعدين التقليدي الكالح. لقد وضع البروفيسور كباشي يده على الجرح النازف، مشيراً إلى أن عمليات “الملغمة” البدائية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي مصدر لـ 38% من انبعاثات الزئبق العالمية، حيث يتحول هذا “السيال السام” من وسيلة لاستخلاص الذهب إلى عدوٍ يتربص بالجهاز العصبي والكلى والرئة.
ولعل الصدمة الأكبر التي فجرتها الندوة تكمن في الأرقام التي وثقتها الدراسات الميدانية؛ إذ سجلت منطقة “أبو حمد” مستويات تلوث في البول لدى العاملين تتجاوز الحدود الآمنة لمنظمة الصحة العالمية بـ 205 أضعاف. ولم تكن المداخلات التعقيبية لكل من البروفيسور إيهاب السر محمد إلياس والبروفيسور نبيل حامد حسن بشير (من جامعة الجزيرة) إلا تأكيداً على عمق المأساة؛ حيث تبرز المخلفات (Tailings) كقنابل موقوتة في المناطق السكنية والزراعية، مؤديةً لتلوث التربة بمستويات تفوق المسموح به بخمسة أضعاف، مما يهدد السلسلة الغذائية ومستقبل الأطفال الذين يعدون الفئة الأكثر عرضةً للخطر بـ 6 مرات مقارنةً بالبالغين.
إن الندوة لم تكتفِ بتشخيص الداء، بل قدمت “روشتة” للخروج من هذا النفق المظلم؛ تبدأ بإلزامية استخدام أجهزة التقطير الآمنة التي تخفض الانبعاثات بنسبة 95%، وتمر بتفعيل اتفاقية “ميناماتا” الدولية، وتنتهي بالبحث عن بدائل نظيفة مثل تقنيات “الجاذبية” أو “السيانيد المحكم”.
آخر الكلام
إن ما طرحه هؤلاء العلماء ليس مجرد ترفٍ أكاديمي، بل هو “مانيفستو” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فهل تجد هذه الصرخات العلمية آذاناً صاغية لدى صناع القرار والمنقبين؟ إن الذهب الذي يُستخرج على حساب صحة الإنسان ونقاء الأرض هو “خسارةٌ فادحة” مهما بلغت قيمته في الموازين.


