عزيزة المعراج تكتب – الأكاديميات حين تعجز عن تهذيب الروح: “الإله الصغير” في عيادات السودان

في السودان، كثيراً ما تتحول الشهادات الجامعية العليا من “أدوات خدمة” إلى “صكوك استعلاء”.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!تحولت الشهادات العليا في مجتمعنا إلى “أداة فرز طبقي”. يستخدمها البعض لفرض وصاية فكرية على الآخرين، فيرفض النقاش، ويسفّه آراء من هم أقل منه درجة أكاديمية، ويمارس “التعالي اللغوي” أو المسلكي. هذا المسلك يعكس إرثاً ثقافياً مشوهاً يربط بين “المكانة” و”الشهادة . العلم الذي لا يجعلك تنحني لخدمة الضعيف والمحتاج، هو مجرد“وجاهة اجتماعية” فارغة، تشبه الثياب الفاخرة التي تغطي جسداً عليلاً.
ولعل الظاهرة التي يعيشها المريض السوداني في دهاليز كثير من العيادات من انتظار مهين وتعامل جاف وتضخم في الأنا ليست إلا عرضاً لمرض أعمق : وهو “الجهل المركب” الذي لم تمحه الاسفار الطبية ولا الدرجات الأكاديمية.
وربما هي عقدة “الناجي” وإعادة إنتاج المعاناة والتعالي الذي مر به في فترة الامتياز يفسر سيكولوجية الطبيب السوداني. نحن أمام نظام تعليمي ومهني يقوم على “تراتبية اشبه بالعسكرية” الطبيب الذي تعرض للتعامل بعجرفة في بداياته، بدلاً من أن يثور على هذا النظام، يتبناه لا شعورياً كآلية دفاعية. حين يستلم عيادته الخاصة، هو لا يمارس الطب فحسب، بل يمارس “التعويض النفسي” عن سنوات الانكسار. يتحول المريض هنا في العقل الباطن للطبيب، إلى مرآة يرى فيها سلطته التي حُرم منها طويلاً.
اعتقد أن وهم “القداسة” المجتمع هو شريك بل صانع له
المجتمع السوداني ساهم في صنع هذا “الإله الصغير”. نحن نقدس المهن “الصفوية” (طب، هندسة، قانون) لدرجة تجعل شاغلها يشعر بأنه فوق النقد. عندما يدخل المريض العيادة بروح “المستجدي” لا “صاحب الحق”، فإنه يغذي غريزة التسلط لدى الطبيب.
الغطرسة هنا ليست دليلاً على العلم، بل هي قناع لستر نقص “الذكاء العاطفي”. فالعالم الحقيقي هو من يزداد تواضعاً كلما اتسعت مداركه، أما المنتفخ كبراً فهو يعاني من “ضحالة معرفية” في جوهر الإنسان والتعامل الإنساني ، وإن حفظ المراجع عن ظهر قلب.
<والغريب أن السلوك يتغير حينما تتغير الجغرافيا
لماذا يتغير الطبيب السوداني بنسبة 180 درجة بمجرد هبوط طائرته في مطار خارجي؟ الإجابة تكمن في “سيادة القانون وحزم النظام”. خارج السودان، الطبيب “مقدم خدمة” (Service Provider) يخضع لتقييم المريض، ولرقابة مؤسسية، ولقوانين أخلاقية صارمة تحاسبه على “نبرة صوته” قبل “تشخيصه الطبي”. أما في السودان الفوضى المؤسسية غيبت المحاسبة، فصار الطبيب هو الخصم والحكم، وصارت الأخلاق “منحة” يتفضل بها على المريض، وليست واجباً مهنياً أصيلاً.
ان العلم الذي لا يهذب صاحبه.. هو جهل متنكر و التكبر على الضعيف (والمريض في قمة ضعفه) هو أقوى دليل على أن التعليم في السودان يعاني من خلل بنيوي. نحن نُخرج “آلات حاففظة” لا “عقولاً مثقفة”. المثقف الحقيقي يدرك أن “العورة” التي يكشفها الطبيب دون استئذان، أو “الخيار العلاجي” الذي يحجبه عن المريض، هي انتهاكات صارخة للكرامة البشرية قبل أن تكون أخطاءً مهنية.
إن كسر الصنم هو ما نحتاجه اليوم ، الثورة اعادة إعمار المؤسسات الطبية ليس مجرد “أجهزة طبية حديثة”، بل “ثورة في السلوك”. نحتاج أن ندرك أن الشهادة الأكاديمية لا تمنح صاحبها حق الوصاية على أرواح الناس أو كرامتهم. الطبيب الذي يرى في مريضه “رقماً” أو “مصدر رزق” أو “كائناً أدنى”، هو في الحقيقة مريض يحتاج لعلاج نفسي أعمق من المرض الذي يعالجه.
التواضع هو “زكاة العلم”، وبدونه يصبح المتعلم مجرد وعاء لمعلومات صماء، يمشى مختالاً بين الناس بجهلٍ مطرز بالشهادات.




