عزيزة المعراج تكتب – كلام ترابلة: هجير “العصا العطشانة”.. جمرٌ يبشّر بالخير الوفير

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
مع اشتداد وطأة الحر هذه الأيام، ونحن نرقب تصاعد درجات الحرارة و”الكتمة” التي تكاد تحبس الأنفاس في ربوع السودان، وفي قلب جزيرتنا المعطاءة بوجه خاص، يتردد في المجالس تخوفٌ مشروع، وسؤالٌ قلق: هل تنذر هذه السخونة المفرطة بخريفٍ شحيح الأمطار وقاحل الأيام؟
كـ”ترابلة” خبروا الأرض وعاشقو طينها، وكعارفين بأسرار التقويم الشعبي والموروث الزراعي الذي خطّه أجدادنا بحبر التجربة والعرق، نقولها بملء الفم وبلغةٍ تفيض بالبشرى: لا تبغضوا الهجير، فإن رحم المعاناة يولد منه الغيث، وهذا الجمر الذي يلفح الوجوه اليوم، ما هو إلا البشير الوفير لـ “خريفٍ سمح” و”دميرة” تسرّ الناظرين.
في حساب العينات الذي ضبط عليه المزارع السوداني ساعته البيولوجية والإنتاجية منذ قرون، نحن نقف اليوم على أعتاب عينة “العصا العطشانة” (التي تبدأ في الثالث عشر من يونيو وتستمر حتى الخامس والعشرين منه). اسمٌ على مسمى؛ حرٌّ قاطف، وجفافٌ حاد، وهواءٌ ساكن، تتخلله “الكتاحة”
لكن، هل كان أجدادنا يبتئسون بها؟ أبداً! فالتربال الذكي يعلم أن “العصا العطشانة” ما جفت إلا لترتوي، وأنها التمهيد الرباني لعينة “العصا الرويانة” التي تعقبها مباشرة في أواخر يونيو، لتنكسر بها حدة الهجير، وتتحول الرياح من شمالية شرقية جافة إلى جنوبية غربية رطبة، تحمل في طياتها أولى نفحات المطر، قبل أن يدخل خريفنا الفعلي مع عينة “الضراع” في السابع من يوليو.
إن الموروث الشعبي يملك قاعدة ذهبية تناقلتها الأجيال في الجزيرة: “الحر الكعب بيبشر بخريف سمح”. والعلامة الوحيدة التي كانت تقلق المزارعين قديمًا هي نشاط الرياح الشمالية الباردة التي تطرد السحب، أما “الكتمة” والاحتباس الحراري الحالي، فهما دليل على أن الأرض تختزن طاقتها لتفجير العطاء.
إذا نحينا الحساب الشعبي جانباً وفتحنا دفاتر الأرصاد الجوية وعلوم الطقس، سنجد أن العلم الحديث لا يفعل شيئاً سوى البصم بالعشرة على حكمة “الترابلة”.
علمياً، هذا الغليان الحراري الذي نعيشه هو “الوقود الفعلي” للموسم الوفير. فالتسخين الشديد لسطح الأرض في هذه الفترة يؤدي إلى خلق هبوط حاد في الضغط الجوي (منخفض حراري واسع)، هذا المنخفض يعمل كـ “مروحة شفط” عملاقة تجذب الرياح الموسمية الرطبة المشبعة ببخار الماء والقادمة من المحيط الأطلسي والمناطق الاستوائية. بدون هذا الحر الشديد، لن تمتلك الأجواء القوة الكافية لزحزحة “الفاصل المداري” نحو الشمال وتجميع السحب الرعدية الثقيلة.
أما المخاوف من قلة الأمطار بناءً على سخونة الجو، فهي قراءة متعجلة تخالف فيزياء الطقس فمعدلات الأمطار وتوزيعها ترتبط بظواهر مناخية أوسع وأعمق على مستوى المحيطات (مثل ظاهرتي النينيو واللانينا ومؤشر المحيط الهندي)، والحرارة المحلية الآن هي مجرد إعلان جاهزية الأرض لاستقبال العطاء، وليست نذيراً بالجفاف.
يا هؤلاء.. إن الأرض لا تخون من يثق في دورتها. اشتداد الحرارة في هذه الأيام هو بمثابة “المخاض” الذي يسبق ميلاد موسم زراعي واعد. إنها دعوة للأمل، ودعوة لتجهيز السرايب، وتطهير القنوات، وإعداد البذور.
آخر الكلام
فلتتسع الصدور لهذا الهجير، ولتستبشر النفوس بـ “الكتمة”، فما هي إلا أيام معدودات، وتشرب “العصا العطشانة” حتى ترتوى، وتتحول سمرة الأرض إلى خضرة يانعة، ويرتفع الآذان في الحقول مهللاً بمقدم السحاب. خريفنا قادم بالخير، وحكمة االترابلة لا تخيب.




