رأي

عزيزة المعراج تكتب – شُعاعُ الوفاء: حين يزهرُ النبل في مَحاريبِ العِلم

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

في زمنٍ شَحّت فيهِ مَنابعُ العطاء، وتوارى خلفَ ضجيجِ المادةِ نُبلُ المَشاعر، تأتينا من رِحابِ الحبيبة الرحيبة جامعة الجزيرة، نَسمةٌ باردةٌ تُحيي في النفوسِ الأمل، وتُثبتُ أنَّ صِناعةَ الإنسانِ هيَ أسمى الاستثماراتِ وأبقاها أثراً.

ليسَ ما نراهُ اليومَ مجردَ خلايا ضوئيةٍ وُضِعت لامتصاصِ وهجِ الشمس، من طلاب الجامعة من الصومال الشقيقة بل هيَ ” شعاع من نور وترجمةٌ ضوئيةٌ” لمشاعرِ امتنانٍ عميقةٍ صاغها خريجونَ مَهروا شهاداتِهم بصدقِ الانتماء. هؤلاءِ الذينَ شربوا من نيلِ السودانِ صَفوه، واقتاتوا من علمِ أساتذتها حِكمةً ونبلا ، لم ينسوا “المحرابَ” الذي صَقَل عقولهم، فجاءوا اليوم ليردوا الدَّين ضياءً ونوراً.

 

إنهُ العِشقُ الأكاديميُّ في أرقى تجلياته حيثُ تتحولُ “الهندسة الزراعية” من معادلاتٍ جافةٍ و آلات صماء إلى رِباطٍ وجدانيٍّ يربطُ بينَ مقديشو وود مدني. هؤلاءِ الشباب، رغمَ المسافاتِ والظروف، اختاروا أن تظلَّ شمسُ كليتِهم مُشرقة، لا تنطفئُ بانقطاعِ تيارٍ ولا تَخبو بتقادمِ عهد.

كم هوَ رومانسيٌّ وعميقٌ أن ترى الغريبَ يعودُ لبيتهِ الأول لا زائراً فحسب، بل حاملاً في كفّيهِ القبس، وكأنَّ لسانَ حالهم يقول: *”يا راوبينا ويا محبتنا مهد ريدتنا عدنا ليك جينا يا روابينا … يا جدرانَنا القديمة، إن لم نستطع منعَ الليلِ عنكِ، فسنبني لكِ من حبِّنا شمساً لا تغيب”.

 

إنَّ هذهِ المبادرةَ هيَ صفعةٌ في وجهِ “الجدبِ الأخلاقيِّ” الذي نعيشه فهيَ تعلمنا أنَّ العِلمَ الذي لا يُثمرُ وفاءً هوَ عِلمٌ عقيم، وأنَّ الجامعاتِ ليست مجردَ قاعاتٍ لتعاطي المعرفة، بل هيَ أرحامٌ تلدُ الصداقةَ، والقيم، والروابطَ الإنسانيةَ العابرةَ للهوياتِ والحدود.

تحيةٌ لهؤلاءِ “الأوفياءِ” الذينَ جعلوا من العلمِ جسراً للمحبة، ومن الطاقةِ المتجددةِ رمزاً لوفاءٍ لا ينضب. لقد أنارت وحدتُهم الشمسيةُ أروقةَ الكلية، لكنَّ سُموَّ أخلاقهم هوَ الذي أنارَ قلوبنا وأعادَ لنا الثقةَ بأنَّ الدنيا لا تزالُ بخير، ما دامَ هناكَ قلبٌ ينبضُ بالذكرى، ويدٌ تمتدُّ بالعرفان.

ستظلُّ هذه الوحدةُ الشمسيةُ شاهدةً، ليسَ على كفاءةِ التقنية، بل على طهارةِ الأصلِ ونُبلِ المنشأ .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى