عزيزة المعراج تكتب- الجزيرة في ظلام دامس: والمواطن بين مطرقة العجز الفني وسندان الصمت المريب

لا يمكن وصف ما يحدث في ولاية الجزيرة من انقطاع مبرمج وغير مبرمج للتيار الكهربائي، لمدد تتجاوز منطق “الأعطال الفنية” وتصل إلى حد “العزل الشامل”، إلا بأنه انهيار كامل في عقد المسؤولية الأخلاقية والمهنية تجاه المواطن. إن تحول الكهرباء من خدمة أساسية إلى “حلم” بعيد المنال، ليس مجرد أزمة طاقة، بل هو مؤشر خطير على فجوة سحيقة بين من يديرون المرفق وبين إنسان هذه الولاية الذي بات يقتات على الوعود الجوفاء أو الصمت المريب.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!فاتورة المعاناة: حين يدفع المواطن ثمن الفشل
خلف كل ساعة انقطاع، هناك مأساة إنسانية مكتملة الأركان لا تراها غرف التحكم المغلقة:
- طلاب العلم: كيف لطالب يستعد لامتحانات مفصلية أن يقرأ في عتمة الليل؟ إنهم يسرقون من شبابنا مستقبلهم ببرود أعصاب لا يحسدون عليه.
- المرضى وكبار السن: في البيوت أجساد لا تتحمل الحرارة، وأجهزة طبية تعتمد على تيار مستقر، وأدوية تفقد صلاحيتها خلف أبواب الثلاجات المطفأة. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل هم أهلنا الذين يُدفع بهم نحو حافة الخطر.
- الأسر السودانية: في ظل ظروف اقتصادية طاحنة، تأتي خسارة المخزون الغذائي البسيط داخل الثلاجات لتكون “القشة التي تقصم ظهر البعير”، فالمواطن اليوم لا يتحمل فقدان “رغيفة” واحدة، ناهيك عن تلف مؤن تكبد المشاق لتوفيرها.
غياب الشفافية: هل هو عجز أم استخفاف؟
إن أكثر ما يثير حنق المواطن ليس انقطاع التيار بحد ذاته، بل ذلك التعتيم حد الاستهتار وغياب التوضيح. أن يغرق الناس في الظلام لأيام دون “بيان” يحترم عقولهم أو يوضح الأسباب (سواء كانت فنية، لوجستية، أو حتى ناتجة عن ظروف قاهرة)، هو قمة الاستهتار بالكرامة الإنسانية.
هذا الصمت يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات المشروعة:
- هل هو فشل إداري وفني؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الاستقالة أو الإقالة هي الاستحقاق الأدنى لمن فشل في إدارة مورد حيوي.
- أم هو عدم معرفة؟ وهذا يعني أن المرفق يُدار بعقليات لا تدرك حجم الكارثة، وهو أخطر من الفشل نفسه.
- أم هي “مؤامرة” لإثارة البلبلة؟ لا يمكن استبعاد أي فرضية عندما تغيب الحقيقة؛ فالظلام الدامس هو البيئة الخصبة لنمو الشائعات والاحتقان المجتمعي الذي قد ينفجر في أي لحظة.
السادة المسئولون
إن الكهرباء في عصرنا الحالي ليست ترفاً، بل هي شريان الحياة للعمليات الصحية، والتعليمية، والمعيشية. إن استمرار هذا الوضع في ولاية الجزيرة، قلب السودان النابض، هو جريمة في حق التنمية واستقرار المجتمع.
على المسؤولين أن يدركوا أن “الصبر له حدود”، وأن احترام المواطن يبدأ بكلمة صدق، وينتهي بتوفير الخدمة التي يدفع ثمنها من عرق جبينه. إن سياسة “إطفاء الأنوار وتجاهل الأنين” لن تزيد الشارع إلا سخطاً، ولن تزيد الوطن إلا تمزقاً.
أعيدوا للجزيرة ضوءها، أو اتركوا مقاعدكم لمن يستحق خدمة هذا الشعب الصابر.



