كلام ترابلة – عزيزة المعراج تكتب – الوقوف على أعتاب موسم استثنائي

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
لطالما كان القمح في وجدان الإنسان السوداني أكثر من مجرد حبوب تُطحن، بل هو “عنوان كرامة” ورمز للاستقرار يتجاوز حدود المائدة إلى آفاق السيادة الوطنية. واليوم، ونحن نقف على أعتاب موسم استثنائي، تعود أرض “الجزيرة” المعطاءة لتتصدر المشهد، ليس فقط كساحة للإنتاج، بل كمنصة لانبعاث الأمل من تحت رماد التحديات.
إرث الضفاف.. من الساقية إلى الري الانسيابي
تاريخ زراعة القمح في بلادنا قصة كفاح ممتدة؛ بدأت ملاحمها الأولى في الشمال ، حيث روض الأجداد الأرض بوسائلهم التقليدية، قبل أن يشهد منتصف القرن الماضي التحول الأكبر بدخول القمح إلى أروقة “مشروع الجزيرة”. هناك، تحولت المساحات الشاسعة إلى بحار من الذهب الأخضر، وأصبح المحصول ركيزة أساسية في الدورة الزراعية، مما نقل السودان إلى عصر جديد من التخطيط الاستراتيجي لقطاع الأمن الغذائي.
اهلا بموسم “البشائر” في جزيرة الصمود و بعد فترات عصيبة خيمت فيها سحب القلق على مستقبل المشروع، تأتي “بشائر الحصاد” في عامنا هذا (2026) لترسم لوحة من التفاؤل الحذر والواعد. فبعد تطهير وتأمين مساحات واسعة في ولاية الجزيرة، انطلقت عمليات الحصاد وسط مؤشرات إنتاجية مبشرة، حيث تشير التقارير الميدانية إلى وصول إنتاجية الفدان في بعض الأقسام إلى معدلات ممتازة تقارب الـ 15 جوالاً. إن عودة المزارع إلى حقله في كنف الاستقرار النسبي ليست مجرد رقم اقتصادي، بل هي استعادة لثقة فقدتها الأرض لسنوات.
رغم هذه الروح المعنوية العالية، لا يزال المزارع السوداني يقاتل في جبهات متعددة لضمان استمرار هذا الشريان:
جبهة تمويل الإنتاج: تظل الفجوة التمويلية وضعف السياسات الائتمانية الزراعية العائق الأكبر أمام التوسع الرأسي.
وجبهة كلفة المدخلات: الارتفاع المضطرد في أسعار التقاوي المحسنة والأسمدة، فضلاً عن تعقيدات سلاسل الإمداد…في ظل أزمات عالمية تعصف يوميا بأسعار الطاقة ..لتتوالي عواصف ارتفاع الأسعار.
التغير المناخي: مواجهة الموجات الحرارية التي باتت تداهم المحصول في مراحل نموه الحرجة، مما يستوجب تسريع تبني الأصناف المتحملة للإجهاد الحراري.
البنية التحتية: الحاجة الملحة لصيانة قنوات الري وتوفير قطع غيار الآليات الزراعية التي تضررت خلال الفترة الماضية….ونشهد لإدارة مشروع الجزيرة بالتفاني في هذا الصدد
وحينما ننظر للقمح من افق الرؤية مستقبلية نجد ان إن العبور بالقمح من “مربع الطوارئ” إلى “مربع الاستدامة” يتطلب تضافر الجهود البحثية والإدارية. فالبشائر التي نراها اليوم في الجزيرة والنيل الأبيض والشمالية، يجب أن تُسند برؤية علمية متكاملة لـ سلاسل القيمة؛ تبدأ من البذرة وتنتهي برغيف الخبز، مروراً بتطوير الصناعات التحويلية وتقليل الفاقد ما بعد الحصاد.
آخر الكلام
ستظل سنابل القمح تتمايل مع نسمات الفجر في “الجزيرة”، تخبرنا أن هذه الأرض لا تخون من يخلص لها، وأن فجر الاكتفاء الذاتي قاب قوسين أو أدنى، إذا ما توفرت الإرادة وصَدقت العزيمة.



