رأي

كلام ترابلة-عزيزة المعراج تكتب- في الغابة هل تتحدث الأشجار؟ ​

 

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

​لطالما نظرنا إلى أشجارنا في “الحواشات” والغابات على أنها كائنات صامتة، ساكنة، لا تملك من أمرها شيئاً سوى الانتظار؛ ننتظر ثمرها وتنتظر هي ماءنا. لكن العلم الحديث، وبعيون “هندسة الأحياء والكيمياء”، كشف لنا عن عالمٍ سريٍّ مذهل يجري تحت أقدامنا، عالمٍ يثبت أن الشجر ليس مجرد خشبٍ وظل، بل هو “مجتمع” متكافل يتحدث، ويحذر، ويتبادل العون عبر شبكة اتصالات تفوق في تعقيدها أليافنا الضوئية.

​تخيلوا معي أن تحت كل شجرة “مانجو” أو “نخيل” في أرضنا، توجد شبكة كثيفة من خيوط الفطريات المجهرية (الميكوريزا). هذه الخيوط ليست مجرد طفيليات، بل هي “أسلاك التوصيل” في نظام نطلق عليه علمياً “شبكة الخشب العالمية” (Wood Wide Web). عبر هذه الشبكة، لا تتبادل الأشجار الغذاء فحسب، بل تتبادل “المعلومات الكيميائية” بذكاء فطري يحير الألباب.

​حين تتعرض شجرة لهجوم من “سوسة” أو آفة حشرية، فهي لا تموت بصمت. إنها تطلق فوراً “صرخة كيميائية” عبر جذورها إلى الشبكة الفطرية، وعبر الهواء في شكل مركبات عطرية طيارة. هذه الرسالة الكيميائية تصل إلى جاراتها من الأشجار السليمة، وفور استلام “الشفرة”، تبدأ الأشجار الأخرى في تغيير كيميائها الحيوية؛ تزيد من مرارة أوراقها وتفرز سموماً طبيعية لتكون جاهزة للمعركة قبل وصول العدو.

​هذا “الكلام” بين الشجر ليس ترفاً علمياً، بل هو جوهر ما نحتاجه اليوم في ممارساتنا الزراعية. إن “التربال” الحذق يعلم فطرياً أن حرث الأرض الجائر وتقليبها بعنف يمزق هذه الشبكات الحساسة، ويجعل المحاصيل “صماء” معزولة عن بعضها، مما يضطرنا لتعويض هذا النقص بوابل من المبيدات الكيماوية التي تنهك الأرض والجيوب.

​إن دعوتنا اليوم عبر “كلام ترابلة” هي العودة لفهم لغة الأرض. إن تعزيز “التواصل الطبيعي” بين المحاصيل عبر الزراعة المتداخلة والحفاظ على حيوية التربة، هو السبيل لبناء نظام زراعي مقاوم وقوي. نحن بحاجة لأن نتعلم من الغابة كيف ندير حقولنا؛ فالحقل الذي “تتحدث” محاصيله مع بعضها، هو حقلٌ يحمي نفسه بنفسه، ويقلل العبء عن كاهل المزارع.

​يا سادتي، إن الأرض لا تخرج أسرارها إلا لمن ينصت إليها بقلب المهندس وعقل الباحث وبصيرة المزارع. فلننصت لما تقوله الأشجار، ولنحافظ على “إنترنت الأرض” لتبقى خضرتنا مستدامة وعطاء أرضنا لا ينقطع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى