رأي

عزيزة المعراج تكتب -كلام ترابلة- “في اليوم العالمي للبيئة” التدهور البيئي وقود صامت للحرب في السودان

 

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

​في كل مرة يشتعل فيها صراع جديد في السودان تتسارع التحليلات السياسية والعسكرية إلى تفكيك المشهد من خلال رؤى معروفة مثل صراع السلطة والثروة ، التوازنات القبلية، التدخلات الخارجية والمطامع السياسية. ورغم وجاهة هذه التحليلات في تفسير الحرب وأدواتها إلا ان هناك  تغافل بقصد وغير قصد عن تفسير جذورها العميقة. إن الجذور الحقيقية للصراع في دارفور، لم يبدأ في أروقة السياسة، بل نبت من أنين شقوق الارض المتعبة ومن شمس اذابت معالم السلم الاهلي . إنها حرب يغذيها في الأصل تدهور بيئي صامت وصراع مرير على موارد طبيعية آخذة في الهشاشة و الانكماش.

​بمناسبة اليوم العالمي للبيئة، يبدو من الضروري أن نواجه الحقيقة العارية البيئة في السودان ليست ترف أو مجرد غطاء نباتي بل هي الأمن الغذائي، والمسكن، ومصدر الرزق لأغلبية السكان. عندما أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وصفه الشهير على صراع دارفور بأنه “أول صراع في العالم يغذيه تغير المناخ”، لم يكن ذلك مبالغة بل قراءة دقيقة لجغرافيا بشرية مضطربة.

​حسب التقارير العالمية على مدار العقود الأربعة الماضية زحفت الصحراء شمالاً بمعدلات مرعبة تراوحت بين 50 إلى 100 كيلومتر مترافقة مع تذبذب حاد في أمطار الساحل الإفريقي وبالطبع جفاف قاسي . هذا التغير المناخي لم يكن مجرد أرقام في تقارير خبراء الطقس، بل كان البلدوزر الذي دمر سبل عيش ملايين الرعاة في شمال دارفور مجبراً إياهم على الهجرة جنوباً نحو الأراضي الأكثر خصوبة التي تستقر فيها المجموعات الزراعية.

​هنا تلتقي الموارد الطبيعية  بالنزاع المسلح. في الماضي كانت الهجرات الموسمية للرعاة تنظمها أعراف محلية صارمة وآليات إدارية أهلية تقليدية (الأجاويد)، تُحدد  المسارات الرعوية ومواقيت دخول وخروج الماشية بما يضمن ألا يتغول طرف على عيش الطرف الآخر.

​ولكن حين اشتد وطء الجفاف وتدهورت الموارد الطبيعية تحول التنافس من المشاركة إلى معركة بقاء . لم يعد النقاش حول كيفية تقاسم بئر الماء او مرعى ، بل أصبح حول مَن يملك الحق في البقاء فوق هذه الرقعة الجغرافية الآخذة في التقلص. ومع غياب الادارة الرشيدة للموارد وتراجع هيبة الدولة متمثلة في الإدارة الأهلية، تحولت الاحتكاكات اليومية البسيطة بين مزارع وراعٍ إلى شرارات حرائق كبرى.

​ومن الأخطاء السياسية والعسكرية الكبرى هي استغلال هذه المظالم البيئية والجغرافية الحادة، وتعبئتها في قوالب صراع هوية و قَبَلية . للاسف تم “تسييس” شح المياه، و نزاعات الحواكير وتحول الصراع من أجل البقاء البيئي إلى صراع عسكري قبلي وبالطبع ظهر السلاح العابر للحدود لتصبح البيئة هي الوقود الخفي والظاهر لكل هذا الانفجار الذي نعيشه اليوم.

​إذا كانت البيئة هي المحرك الصامت للحرب، فإن إعادة تأهيلها هي المفتاح الوحيد لسلام مستدام لا ينكسر عند أول منعطف. إن أي سلام مستقبلي في السودان يكتفي بمحاصصة السلطة والثروة دون إدراج السلام البيئي في صميمه هو تأجيل للأزمة لا حل لها.

​يكون ذلك بإدارة سليمة تعمل إعادة ترسيم المسارات الرعوية بدقة وتأمينها بنقاط المياه والخدمات مع تفعيل مجالس إدارة مشتركة تجمع المزارعين والرعاة على طاولة واحدة لإدارة المورد لا للتناحر حولها. و​لابد إطلاق مشاريع تشجير كبرى واستصلاح الأراضي لاسيما في حزام الصمغ العربي. هذه المشاريع ليست لحماية التربة فحسب، بل هي أداة اقتصادية لابتكار سلاسل قيمة وخلق فرص عمل حقيقية لآلاف الشباب الذين جعلهم شح الموارد وانعدام افق سبل الرزق و العمل يتجهوا للطريق الاسهل ( الكلاش الجاب المال بلاش ).

​كل ذلك يعتمد على حوكمة مرنة للأراضي تعترف بالحقوق التقليدية وتضمن في الوقت ذاته الاستغلال التشاركي والمستدام للتربة والمياه دون إقصاء أو تهميش.

​الحرب في السودان بدأت في عمقها من صراع صامت على الشجرة، والبئر، والمزرعة. في اليوم العالمي للبيئة، يجب أن ندرك أن اجيج الرصاص لن يصمت إلا إذا تصالحت البيئة مع البشر، وإذا تحولت الموارد المشتركة من ساحة للتناحر إلى مساحة للتعاون المستدام.

آخر الكلام 

إن خضرة الأرض في السودان ليست جمالاً بصرياً، بل هي الجدار الأخير الحامي للسلم الاهلي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى