عزيزة المعراج تكتب-كلام ترابلة- جامعة الجزيرة 2026.. المعرفة تنتج الغذاء.

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
في وقت يمر فيه السودان بمنعطف تاريخي يستدعي استنفار كل الطاقات وتوظيف كافة القدرات الوطنية، تأتي جامعة الجزيرة لتثبت مجدداً أنها ليست مجرد قاعات للمحاضرات أو معامل للبحث النظري، بل هي قلب المجتمع النابض وركيزة أساسية من ركائز أمنه الغذائي. إن تدشين إدارة الاستثمار بالجامعة — ممثلة في شركة أعمال النشيشيبة للخدمات الزراعية والمزرعة الإنتاجية — لبرنامج توزيع التقاوي المحسنة والمعتمدة للموسم الزراعي 2026، ليس مجرد حدث عابر، بل هو خطوة استراتيجية شجاعة تستحق الاحتفاء العالي والدعم المطلق.
إن عودة الجامعة للإنتاج واستئناف نشاطها بعد عمليات صيانة وتأهيل شاملة للمزرعة الإنتاجية وتوفير المدخلات في ظل ظروف الحرب المعقدة، يمثل قصة نجاح سودانية ملهمة، وعنواناً عريضاً للإرادة والتحدي.
تتجاوز فوائد هذه الخطوة حدود الحقل الجامعي لتشمل بنية الاقتصاد الزراعي في السودان، ويمكن تلخيص هذه المنافع الدقيقة في محاور عدة منها:
• سد الفجوة في قطاع البذور: واجه قطاع إنتاج التقاوي في السودان تحديات هيكلية حادة بسبب الظروف الأخيرة. تدخُّل الجامعة يمثل طوق نجاة لتوفير تقاوي عالية الجودة ومعتمدة رسمياً من الإدارة العامة للتقاوي بوزارة الزراعة.
• تعظيم الإنتاجية الرأسية: الاعتماد على “تقاوي الأساس” من هيئة البحوث الزراعية وإكثارها علمياً يضمن للمزارعين في مشروع الجزيرة والمناطق المطرية المجاورة الحصول على بذور ذات نمو خضري قوي، وسنابل جودة عالية، مما يرفع معدل إنتاج الفدان الواحد ويقلل التكلفة.
• تطبيقية البحث العلمي ونقل التقانة : تحويل البحوث النظرية إلى واقع ملموس على أرض” الغيط ” فالجامعة هنا تعمل كجسر ينقل أحدث ما توصل إليه العلم الزراعي مباشرة إلى يد المزارع البسيط.
إذا كانت الجامعة قد نجحت في دعم المحيط الخارجي والمزارعين بالتقاوي، فإن الخطوة المنطقية القادمة — والتي تملك الجامعة كل مقوماتها — هي التحول إلى مجتمع داخلي منتج ومكتفي ذاتياً بالكامل.
تمتلك جامعة الجزيرة ميزتين تنافسيتين لا تتوفران للكثير من المؤسسات: المساحات الشاسعة الصالحة للزراعة، والخبرات الأكاديمية والتطبيقية الفذة في كليات العلوم الزراعية، الطب البيطري، والإنتاج الحيواني. بناءً على هذه المقومات، يجب أن تتحول الجامعة إلى نموذج “المدينة الجامعية الاكتفائية” عبر مسارين:
• الشق النباتي (الخضر، الفاكهة، والمحاصيل الاستراتيجية)
استغلال المساحات داخل الحرم الجامعي والمزارع التابعة لها لإنتاج الاكتفاء الذاتي من الخضروات والفاكهة والمحاصيل الأساسية، وتوفيرها عبر منافذ بيع تعاونية مخصصة لمنسوبي الجامعة (أساتذة، موظفين، وعمال) بأسعار التكلفة، مما يحميهم من تقلبات الأسعار وضغوط المعيشة.
• الشق الحيواني (اللحوم، الألبان، الدواجن، المناحل والأسماك)
تأسيس وحدات إنتاج حيواني متكاملة (مزارع للأبقار الحلوب، تسمين العجول، الدواجن لإنتاج البيض واللحوم، مناحل وحتى المزارع السمكية). هذا الشق لن يوفر غذاءً آمناً وصحياً لمنسوبي الجامعة فحسب، بل سيتحول إلى حقول تدريبية واعدة للطلاب.
إن نجاح جامعة الجزيرة في صياغة هذا النموذج يجب ألا يتوقف عند حدود الجامعة والولاية ، بل يجب أن يصبح (سُنّة مؤسسية شريفة) تنتهجها كافة الجامعات والمؤسسات السودانية الكبرى.
إذا حذت الجامعات الأخرى التي تمتلك أراضٍ وموارد، والشركات والمؤسسات العامة والخاصة، حذو جامعة الجزيرة، وتحولت من مستهلك للغذاء إلى منتج له، سنشهد ثورة إنتاجية صامتة تقود البلاد نحو الأمن الغذائي الشامل. إن الاكتفاء الذاتي للمؤسسات يرفع العبء عن كاهل الدولة، ويزيل الضغط عن السوق المحلي، ويخلق بيئة عمل مستقرة ومحفزة للعاملين.
آخر الكلام
تحية إعزاز وإكبار لجامعة الجزيرة، لإدارتها، لعلمائها عامة وعلمائها الزراعيين على وجه الخصوص ، ولإدارة الاستثمار و الأوفياء في شركة أعمال النشيشيبة، الذين يثبتون بأفعالهم أن أرض السودان ولادة، وأن العلم حين يمتزج بالعمل والوطنية، يصنع المعجزات. وليكن هذا الموسم الزراعي 2026 بداية لعهد جديد تُقاد فيه التنمية من داخل أروقة الجامعات المنتجة.



