عزيزة المعراج تكتب – ”أقنعة العطر.. ووجوه المكر”

اخضراركُ ليس مجرد لون، بل هو فعلُ مقاومةٍ باسلة في وجه واقعٍ قاحلٍ ومُميت. لكنه اخضرار هش، صرخةُ احتجاجٍ غير مسموعة وسط محيطٍ يضجُّ بصُفرةٍ مسمومة؛ صُفرة المشاعر، وبُهتان البسمات، وشحوب الأخلاق.. تلك الأخلاق “المزيّفة” التي لا تقتاتُ إلا على وأد كل برعمٍ غضّ وتحويله إلى يبابٍ بلقع.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!ما أصعب الثبات أمام زحف التصحر الإنساني! فالعقمُ لا يصيبُ التربة وحدها، بل يضربُ جذوره في نفوسٍ بشرية صلدة، مظلمة، لا ينفذُ إلى ديجورها ضياء. نفوسٌ عاجزة عن إدراك روعة الوجود، تائهة عن لذة العطاء الصافي الذي لا يرجو نفعاً، والإبداع الذي ينبثق من روح الحياة لا من أغراض الطين.
إنها نفوسٌ صماء كالصخور، بل أشد قسوة؛ فالحجارةُ تتشققُ لتسكبَ الماءَ الزلال، وتتصدعُ من خشية الله، وتهبطُ إجلالاً.. أما تلك القلوب، فلا رادَّ لظلمتها ولا لينَ في قسوتها. وإذا كان إصلاحُ الأرض البور ممكناً لتمسي حدائق غنّاء، فإنَّ النفوس الجرداء استعصت على التقويم. لقد استوطنها شوكُ الحقد، وتكدست فيها صخورُ الحسد والانتقام والصلف ، حتى غدت مستنقعاً للبغضاء والشحناء.
لا أمل يُرجى في تغيير هذا الخراب، فالطبعُ غلبَ التطبع، ولا سبيل لكَ سوى أن تذود عن خضرة روحك كي لا يبتلعها اليباب. وكأنَّ “غازي القصيبي” كان يقرأ ملامح هذا العناء حين قال:
**أصافحُ نفس الأيادي..
**المليئةِ بالعطرِ..
وبالمكرِ..
ففيمَ العناء؟”
قد يظن أصحاب (وجوه المكر) أنهم بممارسة وأد الخضرة في دروبنا قد انتصروا، غافلين عن أن اليباب لا يبني ولا يرفع .
والأقنعة مهما غُسلت بالعطر ستسقط يوماً لتكشف عن ملامح الجدب في نفوسهم. أما نحن، فيكفينا شرف المقاومة بالاخضرار، ويقيننا بأن جذور الحق وإن أُحيطت بالصخور، ستشق طريقها يوماً نحو الضياء.. ففيمَ العناء؟




