
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد الزراعي، وبخطوة وُصفت بأنها “إعادة اصطفاف” للموارد الوطنية، أطلق وزير الزراعة والري، الأستاذ الدكتور عصمت قرشي، شارة العبور نحو حقبة جديدة لقطاع القطن السوداني. القرار الذي حمل في طياته تشكيل “اللجنة القومية الدائمة للقطن”، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل هو بمثابة “مانيفستو” زراعي يهدف لانتشال المحصول من عثراته ووضعه على خارطة المنافسة العالمية عبر استراتيجية طموحة تمتد من 2026 حتى 2030.
حوكمة المحاصيل: من الحقل إلى المصنع
جوهر القرار الوزاري يرتكز على فلسفة “سلسلة القيمة”؛ حيث لم يعد القطن في رؤية الوزير مجرد بذور تُبذر في الأرض، بل صناعة متكاملة. وتهدف الاستراتيجية الخماسية القادمة إلى:
تجميع الشتات: توحيد كافة الجهات الفاعلة تحت مظلة تنسيقية واحدة لضمان استدامة الإنتاج.
توطين القيمة المضافة: التحول من تصدير القطن “خاماً” إلى تعزيز عمليات التصنيع المحلي.
التمويل المبتكر: تصميم نموذج تمويل متكامل يرتكز على ضمانات تقليل المخاطر، لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال.
أصوات من الميدان: تفاؤل يشوبه الحذر
ورغم الترحيب الواسع بهذه الخطوة، إلا أن دوائر الخبراء والمهتمين وضعت القرار تحت مجهر النقد التحليلي. وفي هذا السياق، اعتبر العميد شرطة (م) فتح الرحمن الماحي يوسف، رئيس منظمة القطن للتنمية، أن القرار “خطوة في الاتجاه الصحيح” تعكس جدية الوزارة، لكنه طرح تساؤلات جوهرية حول “قوة النفاذ” والتمثيل.
”كنت أتمنى أن يخرج القرار كتوصية لمجلسي الوزراء والسيادة، لتكتسب قرارات اللجنة صفة الإلزامية لكافة قطاعات الدولة، ولضمان ألا تظل المخرجات حبيسة الأدراج الوزارية” — فتح الرحمن الماحي
ثغرات في “جدار اللجنة”: الغائبون الحاضرون
وأشار الماحي إلى نقاط ضعف قد تعيق انطلاقة هذه اللجنة، ملخصاً إياها في:
غياب الأركان الأساسية: إغفال تمثيل “بنك السودان المركزي” (دينامو التمويل) والقطاع المطري، بالإضافة إلى الخبرات العلمية الفذة مثل البروفيسور عبد الباقي مختار.
معضلة التمويل: انتقد الماحي ضعف الميزانيات المرصودة من وزارة الزراعة للمحصول، رغم الموارد الضخمة التي تجنيها من “جبايات المحاصيل”، مؤكداً أن عيون المزارعين تترقب ما ستجود به خزائن وزارة المالية، باعتبارها الرهان الأخير لإنقاذ الموسم.
إن رغبة وزارة الزراعة في استعادة ريادة القطن السوداني عالمياً خلال السنوات الخمس المقبلة تصطدم بواقع تمويلي معقد وهيكلية إدارية تحتاج لمزيد من “التشبيك” مع السيادة والمالية. فهل تنجح “لجنة قرشي” في تحويل القطن من “محصول جبايات” إلى “قاطرة للتنمية”؟ الإجابة تكمن في قدرة الوزارة على استيعاب الملاحظات الفنية وتحويل الاستراتيجية من ورق إلى واقع ملموس في حقول السودان.




