كلام ترابلة /عزيزة المعراج تكتب – جلود الأضاحي كيف تتحول المنحة الى محنة

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
مع اقتراب شعائر عيد الأضحى المبارك، تتجدد في مجتمعاتنا معضلة سنوية تطفو على السطح مع أول أيام الذبح؛ معضلة “جلود الأضاحي”. ودرجت العادة في كل عام أن تنطلق منصات الإعلام والتوعية في معزوفة مكررة تحذر المواطنين من الأخطار البيئية الناتجة عن إلقاء هذه الجلود في الشوارع، وتُذكرهم بالقيمة الإقتصادية المهدرة.
لكن الحقيقة والواقع يؤكدان أن تشخيص الأزمة باعتباره “أزمة وعي مواطن” فقط هو تشخيص قاصر، ويفتقر إلى العمق والموضوعية. القضية اليوم تجاوزت مربع التوعية بكثير؛ الأزمة الحقيقية هي أزمة نية تحتية غائبة، وغياب تام للتخطيط المؤسسي
إن المواطن الذي يمتلك الوعي الكافي بأهمية هذه الجلود يجد نفسه في نهاية المطاف أمام أفق مسدود؛ فأين يذهب بها؟
الواقع الصناعي يصدمنا بحقيقة غياب المصانع الحديثة المؤهلة لاستيعاب مئات الآلاف من الجلود المتدفقة في ظرف أيام معدودة. أما “المدابغ البلدية” والتقليدية الموجودة، فهي تعيش خارج سياق العصر؛ قدراتها الاستيعابية محدودة، وتفتقر إلى التقنيات التي تمكنها من معالجة هذه الثروة بكفاءة، والأدهى من ذلك أنها لا تبذل أي جهود حقيقية أو مبتكرة في عمليات الجمع والتحضير الفوري، مما يجعلها شريكاً في هذا الهدر الممنهج.
اما في المحليات.. فللاسف هناك دائما غياب للتخطيط… وحضور طاغي للعشوائية ، وقد تعودنا ان تقف “المحليات” والأجهزة التنفيذية موقف المتفرج، حيث يغيب التنسيق المسبق وتغيب الخطة الواضحة والملزمة لجمع هذه الجلود من الأحياء ونقاط الذبح. عوضاً عن أن تكون المحليات هي المايسترو الذي يدير هذه العملية اللوجستية الضخمة من خلال توفير نقاط تجميع مبردة، وخطوط سير شاحنات منتظمة، وتسهيلات للمبادرين، نجدها تكتفي بمراقبة الشوارع وهي تتحول إلى مرتع للتلوث البيئي والروائح الكريهة التي تهدد الصحة العامة.
لقد ابتليت النظم الإدارية والاقتصادية لدينا وعلى مر عصور واجيال ببلاء عظيم؛ وهو الإصرار العجيب على تحويل كل “منحة” ربانية واقتصادية إلى “محنة” تؤرق المجتمع.
جلود الأضاحي في المفاهيم الاقتصادية الحديثة ليست مخلفات يجب التخلص منها، بل هي ثروة قومية ومواد خام رئيسية لصناعات تحويلية ضخمة يمكنها رفد الخزينة العامة بالعملات الأجنبية وتوفير آلاف فرص العمل. تحويل هذه القيمة الاقتصادية إلى مهدد بيئي وصحي في الشوارع هو انعكاس صارخ للفشل الإداري والاستثماري.
إن المعالجة الرصينة لهذه القضية لا بد أن تنطلق من استراتيجية واقعية تتجاوز لوم المواطن، وترتكز على شراكة ذكية بين المحليات والقطاع الخاص ولابد من إلزام المحليات بوضع خريطة طوارئ قبل العيد بأسابيع، تحدد نقاط التجميع بالتعاون مع لجان الأحياء والمشافي والجمعيات الخيرية.
لابد من دعم تحديث المدابغ البلدية وتقديم تسهيلات استثمارية لإنشاء خطوط إنتاج حديثة وقادرة على الاستيعاب السريع والتحضير الأولي للجلود (كالملح والتبريد) لمنع تلفها.
ومن المهم جدا خلق آلية اقتصادية تشجع الشباب والمبادرات على جمع الجلود وإيصالها للمحطات مقابل عائد مادي مجزٍ، ليتحول الأمر من عبء إلى فرصة استثمارية صغيرة.
آخر الكلام
إن الاستمرار في معالجة قضية جلود الأضاحي بذات الأدوات العقيمة والخطابات التوعوية لا يكفي …و لن يغير من الواقع شيئاً. لقد حان الوقت لتتحمل الجهات التنفيذية والصناعية مسؤوليتها كاملة، فالمواطن مستعد للعطاء والتعاون، ولكن حين تغيب القنوات الرسمية والمصانع والخطط، فلا تلوموا الناس ولوموا السياسات العقيمة التي تصر على إهدار ثروات البلاد.




