عزيزة المعراج تكتب – هل كان “هيكل” و”العقاد” دخلاء على المهنة؟

ليست الصحافة شهادة تُعلّق على الجدار، بل ضمير يُعلّق على كتف المجتمع. ومن يختزلها في “مقررات دراسية” يختزل الإنسان ذاته في ورقة رسمية. فهل كانت الأمة لتتعلّم كيف تفكّر لو انتظرت ختم الجامعة على جبين الموهبة؟ وهل كان عباس محمود العقاد، أو محمد حسنين هيكل، أو إحسان عبد القدوس بحاجة إلى شهادة إعلام ليعلّموا أجيالاً كاملة كيف تقرأ الواقع وتعيد صياغته؟
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!إن الدعوة إلى حصر القيد النقابي بخريجي الإعلام ليست تنظيماً للمهنة بقدر ما هي محاولة لتأميم الكلمة، وتحويلها إلى امتياز بيروقراطي لا إلى مسؤولية أخلاقية.
و قياس ان الصحفي لا يستطيع ان يمتهن الطب والهندسة أو غيرها من مجالات العلمية ذات الصفة التطبيقية
القياس هنا فاسد من أساسه. فالطبيب يتعامل مع جسد قد يزهق بخطأ واحد، والمهندس يبني ما قد ينهار بسوء تقدير ، أما الصحفي فيتعامل مع الأفكار، حيث الصواب والخطأ مجال للتفاعل والنقاش لا للفناء المادي.
حصر الطب يحمي الحياة، نعم. أما حصر الصحافة فيخنقها. لأنه يمنع الطبيب من أن يكتب في الصحة، والاقتصادي من أن يحلل الأسواق، والقانوني من أن يشرح التشريعات. الصحافة بطبيعتها حقل مفتوح تتقاطع فيه المعارف، وإذا أُغلقت بوابة “التخصص الأكاديمي” وحده، تحولت إلى صدى واحد في غرفة مغلقة.
و الحقيقة أن الميدان هو الامتحان الحقيقي. كم من خريج إعلام يعجز عن كتابة خبر متماسك، وكم من خريج آداب أو حقوق كتب تحقيقاً هزّ الرأي العام؟
النقابة، في جوهرها، ليست حارساً على الألقاب، بل ميزاناً للكفاءة. وظيفتها أن تفرز المجتهد من المدّعي، عبر معايير مهنية صارمة واختبارات حقيقية، لا عبر لون الشهادة. أن تحويل النقابة إلى “كهنوت الشهادة” يُفرغها من دورها، ويجعلها بوابة مغلقة بدل أن تكون مصفاة عادلة.
إن تبني هذا الطرح الإقصائي سيقود بالضرورة إلى “عزلة الإعلام” وتحويله إلى بيئة رتيبة تفتقر للتنوع. عندما نغلق الأبواب أمام غير الخريجين، فإننا نُفرغ الصحافة من عقول متخصصة في السياسة الدولية، والاقتصاد المعقد، والعلوم الدقيقة، والفلسفة.
والنتيجة الكارثية حتماً هي تحويل الإعلام إلى محتوى سطحي، يديره “عامّيون” يمتلكون أدوات الكتابة الأكاديمية لكنهم يفتقدون للعمق التخصصي والخبرة الموضوعية التي يمتلكها الطبيب الذي يكتب عن الصحة، أو القانوني الذي يفكك نصوص التشريعات وغيرها من التخصصات العلمية الدقيقة .
من الناحية القانونية والحقوقية، فإن القيد النقابي هو أداة لـ “تنظيم الممارسة” وضمان الالتزام بمواثيق الشرف المهني، وليس “منحاً للصلاحية الإلهية بالكتابة”. إن الدستور يكفل حرية التعبير والحق في العمل كحقوق أصيلة لكل مواطن.
أي محاولة لصياغة تشريعات تحصر الصحافة بشهادة معينة هي توجه يصطدم مباشرة بالروح الدستورية، لأنها تميز بين المواطنين على أساس نمط التعليم في مجال هو في أصله ملك للجميع، ومساحة عامة للتعبير الإنساني.
الواقع والتاريخ، محلياً وعالمياً، يثبتان أن الموهبة والاجتهاد الشخصي هما الوقود الحقيقي لصناعة الرموز الإعلامية، بعيداً عن أروقة كليات الإعلام:
عباس محمود العقاد: عملاق الأدب والصحافة العربية، الذي لم يكمل تعليمه الجامعي بل وبنى صرحاً معرفياً بالتعلم الذاتي والمثابرة، مغذياً الصحافة العربية بمقالات هزت عروشاً فكرية وسياسية.
إحسان عبد القدوس: الذي تخرج من كلية الحقوق (القانون) ليتولى بعدها رئاسة تحرير “روز اليوسف” و”صباح الخير”، صانعاً مدرسة صحفية متفردة لم تدرس الإعلام في قاعة جامعة بل صاغته في وجدان الشارع.
جمال ريان: أحد أبرز الوجوه الإخبارية ومقدمي قناة الجزيرة، الذي شق طريقه في الإعلام وبدأ مسيرته المهنية البارزة قبل حتى أن يتخرج من الجامعة.
عالمياً: نجد أيقونات مثل لاري كينغ الذي لم يكمل تعليمه الجامعي وبدأ من إذاعات محلية ليصبح مدرسة في الحوار، وأوبرا وينفري التي لم تكمل دراستها الجامعية وانطلقت مبكراً في مسيرتها الإعلامية لتصبح ظاهرة عالمية، وجون ستيوارت خريج علم النفس الذي قاد دفة السخرية السياسية المؤثرة، إضافة لـ تيد تيرنر مؤسس إمبراطورية CNN الذي طرد من الجامعة قبل التخرج، وحتى المراسلة الحربية الشهيرة كريستيان أمانبور التي رغم دراستها للصحافة، تؤكد دوماً أن صقل تجربتها تم بالكامل تحت دوي المدافع وفي قلب الخطر الميداني.
وعلى الصعيد الوطني محجوب محمد صالح، أحد أعمدة الصحافة السودانية ومؤسس صحيفة “الأيام”. لم يكن نتاج كلية إعلام بالمعنى الحديث، بل نتاج تجربة نضالية ومهنية طويلة جعلت منه مرجعاً في أخلاقيات المهنة واستقلاليتها.
وكذلك حسين خوجلي، الذي برز ككاتب وصحفي مؤثر، وشق طريقه عبر التجربة والاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع، لا عبر المسار الأكاديمي الإعلامي الصرف.
ولا يمكن إغفال الطيب مصطفى، الذي جاء من خلفية غير إعلامية (هندسية/إدارية)، لكنه أصبح أحد أبرز الأسماء في الصحافة السودانية من خلال العمل والممارسة.
كذلك محمد الكبير الكتبي تُذكر خلفيته على أنها بعيدة عن المسار الأكاديمي الإعلامي التقليدي، إذ ارتبطت دراسته بمجال الزراعة “زي حلاتي” قبل أن يتجه إلى العمل الصحفي ويبرز كأحد الأسماء المعروفة في الساحة الإعلامية السودانية.
هذه النماذج ليست استثناءات… بل دليل على أن الصحافة مهنة مفتوحة لمن يمتلك الموهبة ويصقلها بالعمل.
الفكرة هنا ليست التقليل من قيمة دراسة الإعلام، بل وضعها في سياقها الصحيح: هي أداة مهمة للتأهيل، لكنها ليست الشرط الوحيد ولا النهائي. فكم من صحفي تخرج في الميدان، وكم من شهادة بقيت حبيسة الإطار النظري.
الصحافة لا تحتاج إلى موظفين بقدر ما تحتاج إلى مبدعين. لا تحتاج إلى حراس على البوابات، بل إلى حرّاس على الحقيقة.
فتح أبواب النقابة لكل من يثبت جدارته ويلتزم بميثاق الشرف ليس تهديداً للمهنة، بل إنقاذ لها من الانغلاق.
فلنرفض تأميم الفكر، ولنحذر من تحويل الشهادة إلى كهنوت، ولنتذكر أن الكلمة الحرة لم تكن يوماً ابنة كلية واحدة… بل ابنة عقل حر.




