رأي

عزيزة المعراج تكتب- كلام ترابلة…المزارع وعلم الفطرة والخبرة

في هذه الأيام شديدة السخونة نحن موعودين  بنسمة  باردة تقلب جوف السخانة، ورائحة “الدعاش” المخلوطة بالطين التي ترد الروح إلى الأجساد المتعبة، يصحو في دواخل كل تربال ذلك النداء القديم والخالد: “الواطاة نادت”.

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

الخريف في السودان ليس مجرد فضل ظهر، أو أمطار تصب وكفى  بل هو ميقات الحياة، وساعة الصفر التي تحدد مصير العام بأكمله، وبوابة الأمل البديل في زمن صارت فيه الزراعة هي صمام الأمان الوحيد لإطعام البلاد وتأمين العباد.

لا يملك التربال في حواشته أقماراً صناعية، ولا شاشات رادار تقيس حركة الرياح، لكنه يملك عيوناً خبيرة وبصيرة  تقرأ كتاب الطبيعة المفتوح بدقة تضاهي أحدث مراكز الأرصاد الجوية. مراقبة سلوك الطبيعة قبل الخريف ليست مجرد حكاوي مجالس أو “تخمينات” عابرة، بل هي علم بيئي تراكمي أصيل.
تأمل معي خروج النمل الأسود بكثافة هائلة هذه الأيام، ونقله لبيضه ومخزونه وإعادة بنائه لمستعمراته في أطراف الحواشات والمناطق المرتفعة؛ هذا السلوك الذي يراه القارئ العادي بسيطاً، ما هو إلا استشعار فطري ودقيق جداً من هذه الكائنات الحية للتغير التدريجي في الرطوبة النسبية وضغط الهواء. في العلوم الحديثة يُسمى هذا علم “المؤشرات الحيوية” (Phenology أو Bio-indicators)، وهي تسبق الرصد الآلي أحياناً، وتعلن للتربال أن السحاب قد دنا ميعاده، وأن عليه تجهيز  أدوات وتفقدها لحرث التربة  .
ومع اقتراب السحاب، تبرز معركة التوقيت والتقنية في الحواشة؛ فبينما يفضل بعض المزارعين “رمي التيراب ” (قبل المطر) كسباً للوقت وتفادياً للوحل الذي يعيق الحركة لاحقاً، يفضل آخرون الانتظار حتى “تتحمى” الأرض بهطول الأمطار الأولى وضمان رطوبة التربة.
لكن العلم الزراعي الحديث والوعي الإرشادي يضعان بين يدي التربال اليوم سلاحاً حاسماً لضمان نجاح هذه البداية، وهو عملية “تعفير البذور” (Seed Dressing). والتعفير هنا ليس مجرد رمي للبذور في العراء، بل هو المعاملة العلمية الدقيقة للتقاوي بالمبيدات الوقائية الفطرية والحشرية قبل زرعها  في باطن الأرض. هذه الخطوة العلمية البسيطة هي خط الدفاع الأول ،  فهي تحمي البذرة في مهدها من تعفن التربة ومن الآفات المتربصة بها كالنمل والحفار، وتضمن للبادرات انطلاقة قوية وخضراء مع أول رشة مطر، دون الحاجة لإعادة الزراعة وخسران الوقت والمال.
الذكاء الحقيقي للتربال السوداني يتجلى أيضاً في هندسة الحواشة؛ فبينما تتحدث المنظمات الدولية اليوم عن تقنيات “حصاد المياه” (Water Harvesting) كحل سحري للتغير المناخي، نجد المزارع في الجزيرة والمناطق المطرية يطبق هذه الفلسفة منذ عقود عبر إقامة “التروس” و”السرابات” وتحديد مصارف المياه.
المزارع  مهندس بفطرته؛ يعرف بالعين المجردة أعلى نقطة في أرضه وأوطى نقطة، ويتحكم في توزيع المياه حتى لا تغرق المحاصيل أو تعطش، محولاً الطين الزلق إلى شبكة ري مصغرة تدير شح الموارد بكفاءة عالية.

آخر الكلام .. ليعود الخير دافقاً

الخريف قادم، ومعه يولد الأمل من جديد في جداولنا وحواشاتنا. التحديات التي تواجه الترابلة هذا العام في المدخلات والتمويل قد تكون ثقيلة وقاسية، لكن عزيمة الرجال والنساء الذين شقوا هذه الأرض وصبروا على تقلبات الزمان، كفيلة بأن تحيل هذا التراب إلى سنابل خضراء وخير دافق.
فليكن خريفاً مباركاً، ولتفتح الأرض بطنها بالخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى