عزيزة المعراج تكتب – جوارح الهوية.. بين ثبات الأرض وجموح السماء


في رحاب الرموز الوطنية، فأن الشعارات ليست مجرد ألوان وخطوط، بل هي “مانيفستو” بصري يختزل فلسفة الأمة ماضيها حاضرها وتطلعاتها. ومن هنا، يبرز التساؤل الفلسفي والجمالي الذي قد يراود الكثيرين أمام شعارنا الوطني: لماذا “صقر الجديان”؟
وهل استطاع هذا الطائر بوقفته الرصينة أن يجسد روح السودان، أم أن في الأفق طيوراً أخرى كانت أولى بحمل راية التمثيل؟
لو أمعنا النظر في “صقر الجديان” (السكرتير)، لوجدناه كائناً يكسر النمط التقليدي للطيور الجارحة؛ فهو لا يقتات على التحليق في الأعالي وفي جو السماء ، بل اختار “المواجهة الأرضية” قدراً له.
هو مقاتل السافانا الذي لا يهاب الأفاعي، يواجه سمومها بركلات واثقة وثبات لا يتزعزع. إنها رمزية اليقظة والتمسك بالتراب؛ فالأمة التي تختار صقر الجديان شعاراً لها، إنما تعلن للعالم أنها أمة لا تنفصل عن جذورها، وأن قوتها تكمن في قدرتها على تطهير أرضها من الدسائس والشرور الكامنة في الحشائش.
بيد أن النفس التواقة للجموح، قد ترى في هذا الاختيار قيداً. فثمة سحر خاص في “الشاهين”؛ ذلك الجسور الذي يعشق التهور المحسوب، ويجسد أسمى معاني الحرية والسرعة الخارقة. الشاهين لا ينظر تحت قدميه، بل يرمق المجد من أعلى القمم، وهو بذلك يمثل روح الانطلاق واللحاق بركب الحضارة دون إبطاء. هو الطموح الذي لا يعترف بالحدود، والجرأة التي تقتحم آفاق المستقبل بصدور عارية وجناحين لا يعرفان الكلل.

وبين “ثبات” صقر الجديان و”جموح” الشاهين، يلوح في الأفق السوداني طائر ثالث يجمع بين نقيضين؛ إنه “العقاب المقاتل”. هذا الملك المهيب الذي يسكن الجبال والسهول، يمتلك كبرياء السيادة الجوية وقوة السحق الأرضية. إنه الرمز الذي يوحد “الهيبة” بـ”الهوية”، والقدرة على الرؤية الاستراتيجية من علياء مع الثبات في الميدان عند الشدائد.

إن السودان اليوم، وفي ظل ما يمر به من عواصف، يبدو في أمسّ الحاجة إلى استحضار روح هذه الرموز مجتمعة. يحتاج إلى ثبات قدم صقر الجديان التي لا تبارح الأرض حتى تستقر الأمور، وإلى بصيرة وسرعة الشاهين ليعوض ما فاته من سنين، وإلى هيبة العقاب التي تفرض الاحترام والسيادة.
إن الشعارات تؤثر في واقعنا بقدر ما نؤمن نحن بالمعاني الكامنة خلف ريشها. وربما كان “صقر الجديان” في هدوئه وحزمه، يهمس لنا بأن النصر يبدأ دائماً من الأرض، وأن التحليق الحقيقي لا يكون إلا لأمة طهرت دروبها أولاً، ثم فردت أجنحتها نحو شمس الغد بقلب شاهين وروح عقاب.



