عزيزة المعراج تكتب – بين فوضى الجبايات وإصلاح المعابر: هل يبدأ إنصاف المواطن من هنا؟

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
تغول الجباية: عندما يتحول الطريق إلى عبء اقتصادي
لم تعد الرسوم المفروضة على المعابر الحدودية والطرق الداخلية مجرد بنود محاسبية في دفاتر الدولة، بل تحولت إلى عائق هيكلي يعطل سلاسل التوريد ويستنزف القدرة الشرائية للمواطن السوداني. إن الواقع اليومي يكشف عن مشهد قاتم؛ حيث يجد الناقلون أنفسهم أمام “غابة” من نقاط التفتيش غير الرسمية التي تفرض إتاوات بلا مسوغ قانوني، في ظل غياب الرقابة الصارمة التي تميز بين الإيراد السيادي وبين “العبث الممنهج” الذي أرهق كاهل التاجر والمستهلك على حد سواء.
أدت هذه الممارسات، التي تفتقر للتنسيق بين الولايات، إلى خلق تباين صارخ في اللوائح والمسميات الضريبية، مما فتح الباب واسعاً أمام “اقتصاد الظل” والجهات غير الرسمية لتحقيق مكاسب آنية على أنقاض اقتصاد وطني هش. هذا التداخل بين الرسوم الشرعية والابتزاز الميداني جعل المواطن ضحية لآلة جباية لا ترحم، مما انعكس مباشرة على الارتفاع الجنوني في كلفة الإنتاج والسلع الأساسية.
في خطوة تعكس فهماً عميقاً لجذور الأزمة المعيشية، جاء توجيه السيد رئيس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، ليمثل نقطة تحول جوهرية. إن التوجيه القاضي بوقف أي رسوم أو ضرائب جديدة في المعابر، وإلزام وزارات المالية والجمارك والولايات بالتنفيذ الفوري، يتجاوز كونه قراراً إدارياً؛ إنه اعتراف بشجاعة بخلل السياسات السابقة التي جعلت من المنافذ بؤراً لتراكم الأعباء بدلاً من أن تكون شرايين للحياة. وما دعوة رئيس الوزراء للمواطنين بالامتناع عن دفع أي رسوم غير مقننة إلا تأكيداً على أن الدولة تنحاز اليوم لمواطنها الذي أفقرته “الجبايات” ولم تُغنِ خزائنها.
إن نجاح هذا التوجه الرائد يظل رهناً بآليات تنفيذ ذكية تتجاوز المكاتب الرسمية لتطال “الارتكازات” على الطرق الطويلة. يتطلب الأمر فرض رقابة ميدانية صارمة وتفعيل مبدأ المساءلة الفورية بحق أي جهة تخالف هذه التوجيهات تحت مسميات مستحدثة. إن ضبط سلوك المنسوبين في النقاط الأمنية والخدمية هو الضمان الوحيد لعدم إعادة إنتاج الأزمة بصورة أخرى.
يمثل هذا القرار اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على استعادة الثقة الشعبية. فالتاريخ القريب أثبت أن أي زيادة، مهما صغرت، تشعل فتيل التضخم وتزيد من وطأة المعاناة في ظل ظروف الحرب القاسية. كل التقدير لمعالي رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس على هذه الوقفة المسؤولة التي تضع معاناة الناس في قلب القرار السياسي، مؤكداً أن تحرير حركة التجارة من قبضة الفوضى هو الخطوة الأولى نحو التعافي الاقتصادي المنشود.




