رأيعام

عزيزة المعراج تكتب/كلام ترابلة – صرخة نوارة: محاجر عشوائية تلتهم سلة غذاء المناقل وتحذيرات من زحف صحراوي كارثي

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

وثائق رسمية وتقارير ميدانية تكشف عن تجريف جائر للأراضي الخصبة وتدمير لأخر مخزونات بذور المراعي النادرة

في وقت يواجه فيه السودان تحديات وجودية جساماً تهدد أمنه الغذائي ومستقبل أجياله، تفجرت في محلية المناقل بولاية الجزيرة كارثة بيئية وزراعية مكتملة الأركان. حيث كشفت وثائق رسمية صادرة عن الإدارة العامة للزراعة، مدعومة بشهادات ميدانية صارخة عن عمليات تجريف جائرة وحفر عشوائي واسع النطاق تستهدف الأراضي الزراعية الخصبة في منطقة “نوارة” ، تحت غطاء إنشاء محاجر غير مقننة، مما يهدد بتحويل سلة غذاء المنطقة إلى صحراء قاحلة.

وتعود تفاصيل الأزمة إلى تحركات ميدانية قادتها المهندسة الزراعية آيات عبد الله يوسف، مدير الإدارة العامة للزراعة بمحلية المناقل، والتي أطلقت صرخة تحذير مدوية عبر تقارير رسمية رفعتها إلى مفتش الرئاسة بالمحلية والجهات السيادية والأمنية. وتكشف المكاتبات عن تعديات صارخة وتجريف واضح لا لبس فيه للأراضي الزراعية والمراعي الحكومية، بذريعة استغلالها كمحاجر للتربة، وهو ما يخالف بصورة قطعية لوائح التصرف في الأراضي الزراعية وقوانين حماية البيئة.

وفقاً للمعلومات الفنية، فهناك انحراف عن المخطط وتغول عشوائي واضح ومن ذلك ان اللجنة الرسمية المشكلة برئاسة مفتش الرئاسة ومدير المحاجر ووحدة الريفي الإدارية ومدير الزراعة بالمحلية مقررا لها ، كانت قد توافقت في بادئ الأمر على تحديد موقع محدد لمحجر نوارة بمساحة لا تتعدى 5 أفدنة فقط، على أن ينحصر النشاط في نطاق ضيق يضمن عدم الإضرار بالرقعة الزراعية المحيطة.

إلا أن الواقع على الأرض جاء صادماً ومخيفاً ، إذ استغلت جهات غير مسؤولة وأصحاب آليات ثقيلة (لوادر وشاحنات وآليات ثقيلة ) هذا الغطاء، وقاموا بشن هجوم عشوائي واسع وتغول جائر امتد ليلتهم أكثر من 12 فداناً من الأراضي الخصبة وأراضي الجروف والفيضية الممنوع تجريفها قانوناً. والأخطر من ذلك، أن عمليات الحفر لم تلتزم بالضوابط الهندسية، بل تمت على السطح وبشكل أفقي مدمر، مما أدى إلى إزالة الغطاء النباتي وإتلاف التربة العلوية (Topsoil) الغنية بالعناصر الغذائية التي تشكلت عبر آلاف السنين. وحسب تصريحات مهندس زراعي آيات عبد الله يوسف مدير الزراعة بمحلية المناقل “إن ما يحدث في نوارة هو تدمير ممنهج للرقعة الزراعية. لقد تحركنا ميدانياً ووجدنا آليات ضخمة تعمل في عشوائية مطلقة تخلو من أي معايير للسلامة أو الضوابط البيئية. هذا التجريف لا يدمر المحصول الحالي فحسب، بل يقضي على خصوبة الأرض للمستقبل، ويهدد بحدوث زحف صحراوي خطير في منطقة فقدت الكثير من غطائها الشجري جراء ظروف الحرب الاستثنائية.”

ولم تتوقف الكارثة عند حد إتلاف التربة، بل امتدت لتضرب العمق الاستراتيجي للتنوع الحيوي في المنطقة. وتكشف التقارير الزراعية أن الموقع المستهدف بالتجريف العشوائي الحالي هو ذاته الموقع الاستراتيجي الذي شهد مؤخراً تنفيذ مشروع قومي حساس لإنقاذ الموارد الوراثية النباتية ، حيث تم نثره بـ بذور مراعي نادرة جداً تم جلبها وصونها بصعوبة من مخازن المناقل بعد أن تعرضت الأصول الوراثية النباتية في إدارة الموارد الطبيعية بحاضرة الولاية “ود مدني” للدمار والتخريب الكامل بسبب ظروف الحرب.

هذه البذور، التي كانت تمثل الأمل الأخير لإعادة استزراع المراعي الطبيعية وتوفير الكلأ الطبيعي لقطعان الماشية، تعرضت للتجريف والردم تحت عجلات “اللوادر”، مما يشكل خسارة علمية واقتصادية فادحة للاقتصاد الزراعي السوداني لا يمكن تعويضها ولا تقدر بثمن.

إلى جانب الأبعاد الزراعية والاقتصادية، فهناك مخاطر بيئية وصحية تؤرق المضاجع ، إذ باتت “حفر الموت” العشوائية تشكل تهديداً مباشراً لأرواح وصحة مواطني القرى المجاورة. ويؤكد الأهالي في شكاوى مريرة أن هذه الحفر العميقة والمتروكة دون سياج أو لافتات تحذيرية تحولت إلى مصائد بشرية، مذكّرين بحوادث مأساوية سابقة وقعت قبل سنوات، حيث سقطت مركبات ومواطنون في تلك الحفر مما أدى إلى وفيات.

علاوة على ذلك، تسبب الغبار والأتربة المثارة جراء حركة الشاحنات الكثيفة (القلابات) التي تعمل بلا ضوابط، في تفشي أمراض الجهاز التنفسي والأزمات الصدرية الحادة بين الأطفال والنساء في القرى المحيطة، وسط غياب تام لشرط التقييم البيئي والصحي الذي يوجبه القانون قبل قيام أي محجر.

وضعت إدارة الزراعة بالمحلية روشتة فنية وإجراءات عاجلة ومصفوفة شروط واضحة وحاسمة لمعالجة هذه الكارثة، تتلخص في:

1. الالتزام الحرفي بالمساحة: حصر الموقع في المساحة المقررة أولاً (5 أفدنة فقط) ووقف التمدد في الـ 12 فداناً المستباحة حالياً.

2. التحول نحو حصاد المياه: تحويل الحفر العشوائية العمق التي خلفها التجريف إلى مشروعات “حصاد مياه” (حفاير وسدود) بالتنسيق مع إدارة السدود للاستفادة من خريف 2026.

3. تفعيل قانون المحاجر الصارم: إلزام أي جهة ترغب في الاستثمار بالإعلان الرسمي لمدة شهر، واستخراج خلو نزاع، والحصول على موافقة وزارات الصحة، الغابات، والبيئة.

4. اشتراطات السلامة والردع: وضع لافتات تحذيرية وإجراءات سلامة صارمة حول الموقع، وتدخل الأجهزة الأمنية والمخابراتية لضبط المخالفين.

آخر الكلام

يا سادتي ان الاستثمار لا يعني الدمار و تطوير الموارد وتنمية إيرادات المحلية أمر مطلوب ومرحب به، ولكن ليس على حساب الأمن الغذائي القومي وتدمير الرقعة الزراعية. لا يمكن لعاقل أن يقبل بخلع قبعة الزراعة لارتداء قبعة الاستثمار العشوائي ، فلا معنى لرصف شارع أو بناء جدار عبر تدمير الأرض الخصبة التي تطعم المواطنين وتضمن بقاءهم. إن هذا الملف الساخن يوضع اليوم أمام طاولة السيد الوالي و كل مسئول في هذه الولاية وفي السودان أجمع هذا الموضوع الصحي والزراعي البيئي الشائك يخصكم جميعا ، وكذلك الأجهزة الأمنية والرقابية، لوقف هذا العبث فوراً، وتقنين العمل عبر آليات رسمية تضمن حماية أراضي “المناقل” التاريخية من التدمير والزوال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى