رأي

كلام ترابلة- عزيزة المعراج تكتب- أم بارونة… حين تتحول الأرض إلى أمل

في الأوقات الصعبة، لا تحتاج المجتمعات إلى الخطب الكبيرة بقدر حاجتها إلى مشاريع صغيرة تصنع الفرق. ولعل ما يجري اليوم في مشتل وغابة أم بارونة بمدينة ود مدني يقدم مثالاً واضحاً على أن الطريق نحو التعافي الاقتصادي يبدأ غالباً من الأرض.
زيارة الدكتورة عرفة محمود أحمد، المدير العام لوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية الجزيرة والوزير المفوض، لموقع إعادة تأهيل المشتل لم تكن مجرد جولة تفقدية عابرة، بل كانت وقفة أمام مشروع يمكن أن يتحول – إذا ما كُتب له النجاح – إلى تجربة ملهمة في كيفية تحويل الموارد المحلية إلى قوة إنتاج حقيقية.
خمسون فداناً من الأرض تستعيد حياتها من جديد. وفي بلد مثل السودان، حيث الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية بل مصدر حياة وكرامة، فإن إعادة إحياء مثل هذه المساحات تعني أكثر من مجرد إنتاج زراعي؛ إنها تعني إعادة بث روح العمل والأمل في المجتمع.
اللافت في مشروع أم بارونة أنه لا ينطلق من فكرة الزراعة وحدها، بل من مفهوم الإنتاج المتكامل. بيوت محمية للإنتاج الزراعي، حظائر لتربية الماشية وإنتاج الألبان ومشتقاتها، مشروعات للدواجن، زراعة مفتوحة، إنتاج صوابع الأسماك، إلى جانب صيانة قنوات الري والآبار وإنشاء سوق للمنتجات الزراعية والحيوانية. هذه ليست مجرد أنشطة متفرقة، بل ملامح منظومة اقتصادية صغيرة يمكن أن تنمو وتكبر مع الزمن.
لكن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في البنية الإنتاجية وحدها، بل في الإنسان الذي يقف خلفها. فالشراكة مع الجمعيات النسوية التي أنشأتها الوزارة بتمويل من برنامج الغذاء العالمي وتنفيذ منظمة “إضافة” لمساعدات الكوارث والتنمية تعكس فهماً عميقاً لحقيقة التنمية: لا تنمية بلا مشاركة المجتمع، ولا اقتصاد حقيقياً دون تمكين النساء.
وفي تقديري أن هذه الفكرة تحديداً هي التي تمنح المشروع بعده الاستراتيجي. فحين تتحول النساء في المجتمعات المحلية من متلقيات للمساعدة إلى شريكات في الإنتاج، فإننا لا نبني مشروعاً مؤقتاً، بل نؤسس لاقتصاد اجتماعي قادر على الاستمرار.
حديث الدكتورة عرفة عن تعميم تجربة أم بارونة على بقية المشاتل في الولاية ليس مجرد طموح إداري، بل رؤية تستحق الدعم. فولاية الجزيرة، بتاريخها الزراعي العريق، تملك كل المقومات لتكون مركزاً لنماذج إنتاجية صغيرة ومتوسطة يمكن أن تعيد الحيوية للاقتصاد المحلي.
السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المبادرات؛ مشاريع واقعية تنطلق من الأرض وتخاطب احتياجات الناس مباشرة. فالأمن الغذائي لا يتحقق بالشعارات، بل بالحقول والبيوت المحمية والحظائر والأسواق التي تربط المنتج بالمستهلك.
قد يبدو مشروع أم بارونة صغيراً في حجمه، لكنه كبير في رمزيته. لأنه يذكرنا بحقيقة بسيطة طالما عرفها السودانيون:
أن الأرض إذا أُحسن استغلالها، فإنها لا تخذل أصحابها أبداً.

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى