رأي

كلام ترابلة – عزيزة المعراج – فئران “الجزيرة”.. حينما تروي البيئة أوجاع الحرب!

 

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

​لم تكن ظاهرة نفوق الفئران في ولاية الجزيرة مجرد واقعة عابرة أو “خبر صحفي” يخص وقاية النباتات فحسب، بل كانت جرس إنذار بيئي، واختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على استعادة زمام المبادرة في ظل ظروف بالغة التعقيد. فالتنوير الصحفي الذي عقدته وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية يوم الأربعاء، وضع النقاط على الحروف، ليس فقط لتبديد مخاوف المواطنين، بل لكشف حجم “الفاتورة البيئية” الباهظة التي تدفعها الولاية جراء الحرب.

​إن التقرير الذي تلاه أعضاء لجنة التقصي، والذين يمثلون صفوة من خبراء جامعة الجزيرة والبحوث الزراعية، حمل دلالات أعمق من فكرة “الموت الطبيعي” للقوارض. فأن تموت هذه الكائنات “جوعاً وإرهاقاً” بعد هجرات طويلة، هو إدانة صارخة لما أحدثته المليشيا من تدمير للغطاء النباتي والغابي. لقد تحولت الجزيرة، التي كانت “خضراء” تسر الناظرين، إلى ساحة تآكل فيها التوازن البيئي، حيث أدى القطع الجائر للأشجار وتوقف الدورة الزراعية إلى تدمير “المسكن الطبيعي” لهذه الكائنات، مما دفعها للانتحار الجماعي بحثاً عن البقاء.

​ما يُحسب لحكومة ولاية الجزيرة ولوزيرة الإنتاج المكلفة، هو نهج “المواجهة بالحقائق”. في زمن الشائعات التي تنتشر كالنار في الهشيم، كان من الممكن ترك المجال للتكهنات حول “أوبئة” أو “مؤامرات بيئية”، لكن تكوين لجنة علمية متخصصة والنزول للميدان وأخذ عينات من التربة والمياه، هو “اللقاح” الوحيد ضد الذعر الاجتماعي. هذه الشفافية هي التي تبني الثقة بين المواطن والدولة.

​لكن، وبالرغم من “طمأنة” اللجنة بأن النفوق طبيعي ولا مخاطر صحية مباشرة، إلا أن التقرير يحمل في أحشائه تحذيراً مبطناً. فوصول كثافة الفئران في المناطق الحدودية مع القضارف إلى مستوى “الانفجار” (20 فأر في الكيلومتر)، يخبرنا أن “التوازن الحيوي” في خطر. النجاح الذي تحقق بخفض هذه النسبة عبر حملات المكافحة المشتركة هو جهد جبار يُشكر عليه مهندسو وقاية النباتات الذين استعادوا عافيتهم رغم نهب مخازنهم وآلياتهم.

​إن الدرس المستفاد من “أزمة الفئران” يتلخص في توصية واحدة جوهرية: إعادة إعمار الغابات. فالبيئة لا تقبل الفراغ، وأي اختلال في منظومتها سندفع ثمنه من أمننا الغذائي وصحتنا العامة. إن معركة “إعادة التوازن البيئي” في الجزيرة لا تقل أهمية عن معركة البناء والإعمار؛ فالفئران التي نفقت جراء الجوع، هي رسالة من الطبيعة بأن الأرض تشتاق لخضرتها، وأن استعادة الغطاء النباتي هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مثل هذه الظواهر المقلقة.

​شكراً للجنة التي تتبعت الأثر، وشكراً للمؤسسات التي تمسكت بالعلم والشفافية كمنهج، وحفظ الله “الجزيرة” إنساناً وأرضاً وبيئة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى