عزيزة المعراج تكتب – بين “عُود المرأة” و”عثرة السياسة”: هل تُحاكم الكفاءة بالنوع؟

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
مع حلول يوم المرأة العالمي، تطفو على السطح مجددًا تساؤلات قديمة متجددة حول أداء المرأة في الفضاء العام، وخاصة في المناصب السيادية. والمفارقة المحزنة أننا ما زلنا في السودان، وفي “قلبه” النابض بالوعي والإنتاج، نحاكم التجربة الإنسانية بمعايير “النوع”، فإذا أخفق رجلٌ في منصبٍ ما، قيل “أخفق فلان”، وإذا تعثرت امرأة، قيل “فشلت النساء”.
إن ما يتردد مؤخرًا من تندر حول تمويل تمثيل وسط السودان بوجوه نسائية، ومحاولة البعض ربط “ضعف الأداء” بكون الممثل امرأة، هو قراءة سطحية تخالف منطق العقل والسياسة. لقد مر على كراسي السلطة في السودان، وفي “الوسط” تحديدًا، مئات الرجال الذين غادروا مناصبهم دون بصمة تذكر، بل ومنهم من أورد البلاد موارد الهلاك، ولم نسمع حينها من يقول إن “عُود الرجال” قد وهن!
لماذا يُحمل جنس المرأة وزر إخفاق امرأة واحدة في مهمة سياسية؟ إن الفشل السياسي غالباً ما يكون نتاجاً لظروف موضوعية، أو تحالفات معقدة، أو حتى سوء اختيار للشخص المناسب في المكان المناسب، وهو أمر لا علاقة له بـ “الكروموسومات”.
أن يقال إن أهل الوسط “عودهم امرأة” على سبيل التنقص، هو جهل بتاريخ هذه المنطقة التي كانت فيها المرأة -وما زالت- عماد الإنتاج الزراعي، وشعلة الوعي الأكاديمي، وقائدة الحراك الاجتماعي. إن “عُود المرأة” في السودان لم يكن يوماً هيناً؛ هي التي قادت المظاهرات، وأدارت المصانع، وترأست الجامعات، وحرثت الأرض بجانب الرجل.
إذا كان البعض يرى في المرأة مرادفاً للضعف السياسي، فالتاريخ العالمي يصفع هذا الادعاء بحقائق دامغة:
* مارغريت تاتشر: “المرأة الحديدية” التي أعادت صياغة الاقتصاد البريطاني ومكانة بلادها الدولية، ولم يستطع خلفاؤها من الرجال مضاهاة صرامتها لسنوات.
* أنديرا غاندي: التي أدارت دولة بحجم قارة كالهند في أصعب ظروفها التاريخية.
* أنجيلا ميركل: التي قادت القارة الأوروبية بحكمة وثبات لأكثر من عقد ونصف، محققة استقراراً عجز عنه عتات الساسة.
* إلين جونسون سيرليف: التي انتشلت ليبيريا من أتون الحروب الأهلية لتبني وطناً من الركام.
هذه النماذج تثبت أن القيادة “موهبة وكفاءة”، وليست “ذكورة أو أنوثة”.
في يوم المرأة العالمي، لا نطالب بامتيازات تفضيلية، بل نطالب بالعدالة في التقييم. إن حصر فشل أي تجربة سياسية في “نوع” القائم عليها هو هروب من مواجهة الخلل الحقيقي في معايير الاختيار أو في البيئة السياسية ذاتها.
إن وسط السودان، بجزيرته العريقة وإرثه الثقافي، يزخر بالكفاءات النسائية القادرة على “هز” مقاعد السلطة بالعمل لا بالتمثيل الصوري. وتظل القاعدة الذهبية: الرجل الفاشل يمثل نفسه، والمرأة الفاشلة تمثل نفسها.. أما النجاح، فهو ثمرة الكفاءة التي لا تعترف بالتمييز.


