كلام ترابلة- عزيزة المعراج – ري الجزيرة.. تحت عباءة “بركات” وميزان التنسيق القومي

طالما ظل السؤال القديم المتجدد في أروقة “سرايا” بركات ومكاتب وزارة الري بـ “ود مدني” يراوح مكانه: هل تكمن معضلة العطش والغرق في “هيكل الإدارة” أم في “شُح الموارد”؟ إن الحديث عن تبعية إدارة الري لمشروع الجزيرة مباشرةً، بدلاً من بقائها تحت مظلة وزارة الري والموارد المائية، ليس مجرد ترف إداري، بل هو قلب العملية الإنتاجية النابض.
عندما ننظر لمزايا “التبعية المباشرة” للمشروع، نجد أننا نتحدث عن “وحدة القيادة”. فمن غير المنطقي أن يزرع المزارع أرضه وعينه على الإدارة الزراعية، بينما مفتاح “أب عشرين” بيد إدارة أخرى تتبع لمركزية بعيدة في الخرطوم. إن انضواء الري تحت لواء المشروع يعني سرعة الاستجابة، وتناغم الدورة الزراعية مع مواعيد فتح وإغلاق القنوات، وتحويل “مهندس الري” و”المفتش الزراعي” إلى فريق واحد يجمعه هدف واحد: “الإنتاج ولا شيء غيره”.
إلا أن هذه العملية لها وجه آخر لا يمكن إغفاله. فوزارة الري تمثل “السيادة المائية” للدولة. انفصال إدارة ري الجزيرة قد يحرم المشروع من الخبرات الهندسية التراكمية، ويضعه في مواجهة مباشرة مع أعباء مالية ضخمة لصيانة الكراكات والآليات التي كانت تتحملها ميزانية الدولة المركزية. كما أن هناك مخاوف مشروعة من أن تطغى رغبة “الإنتاج السريع” على “السلامة الإنشائية” للقنوات والمنظمات المائية، مما قد يؤدي لتهالك البنية التحتية للمشروع على المدى الطويل.
حُسم الأمر إذن، وطويت صفحة التجاذب الإداري الطويل؛ إدارة الري في مشروع الجزيرة باتت اليوم جزءاً أصيلاً من كيان المشروع، تتبع له إدارياً وتتصل بوزارة الري والموارد المائية عبر حبال “التنسيق الفني”. هذا التحول ليس مجرد تبديل في “اللافتات” على أبواب المكاتب، بل هو اختبار حقيقي لقدرة المشروع على إدارة شريان حياته بنفسه، بعيداً عن تقاطعات المركزية التي أرهقت كاهل المزارع لسنوات.
آخر الكلام
يبقى الرهان الحقيقي في استعادة هيبة “المفتش” و”الخفير”، وضمان أن تظل “الترعة” شريان حياة فالمواطن في الجزيرة لا يهمه “لمن يتبع المهندس”، بقدر ما يهمه أن يرى المياه تتدفق في “النمرة” في الوقت المناسب، وبكميات كافية لتعيد للأرض خضرتها وللمنتج عافيته.



