كلام ترابلة – عزيزة المعراج تكتب- ثنائية”المشرط” و”الميزان”: هل يبتلع الصراع الإداري ثروتنا الحيوانية ؟

في دهاليز المؤسسات المعنية بالثروة الحيوانية في السودان، تدور رحى معركة “صامتة” أحياناً و”صاخبة” أحايين كثيرة . وبالطبع هي ليست معركة بين نظريات علمية، ولا صراعاً على اكتشافات مخبرية، بل هي للأسف انعكاس لخلل إداري وتنظيمي جعل من “التكامل” “تآكلاً”. نحن نتحدث عن الجدلية الأزلية المفتعلة بين اختصاصي الإنتاج الحيواني والطبيب البيطري.
هل هو تكامل العِلم.. ام تقاطع الوظيفة؟
من الناحية العلمية الصرفة، لا يوجد ما يضع هذين التخصصين في مواجهة. فالعلاقة بينهما هي علاقة “عافية” و”عائد” ؛ الطبيب يحمي القطيع ويصون الصحة العامة بمشرطه ورقابته، واختصاصي الإنتاج يضبط ميزان الربحية ويحسن السلالات بمناهجه الفنية.
لكن الواقع الوظيفي قرر كتابة سيناريو مختلف، حيث غابت الحدود المؤسسية الواضحة، وحلّ “التغول” مكان “التنسيق”. حينما لا تجيب اللوائح بوضوح عن أسئلة بسيطة مثل: من يقود برامج التلقيح الاصطناعي؟ ومن يتصدر الإرشاد الميداني؟ يترك الفراغ للارتجال، والارتجال لا ينتج إلا الصراع….
إننا اليوم نعيش مرحلة استثنائية من تاريخ السودان؛ مرحلة “بناء ” نحلم وحق لنا الحلم أن تنقلنا نحو الأفضل والأكثر كفاءة. وفي هذه اللحظة الفارقة من عمر بلادنا ، يصبح التمسك بصراعات “الحدود الوظيفية” الضيقة نوعاً من المعوقات التي لا نملك ترف الوقت لها.
إن التغيير الحقيقي والمنشود هو تغيير “المفاهيم الإدارية”. فكيف نرجو بناء قطاع اقتصادي عملاق ونحن لا نزال نراوح مكاننا في صراع الأحقية المهنية؟ إن هشاشة التوصيف الوظيفي في مؤسساتنا أدت إلى تمدد غير مدروس للأدوار، ما جعل التغيير المنشود يصطدم بـ “حواجز نفسية” وتنافس مكتوم بدلاً من أن يجد بيئة خصبة للتعاون.
الأزمة ليست في الاختصاص، بل في عقلية الإدارة التي لا تزال تؤمن بالتفوق المهني الفردي بدلاً من الفريق المتكامل. وفي مرحلة البناء، يصبح الصراع المهني خيانة لطموحات هذا الشعب المنكوب بالتغيير للافضل .
إن التجارب العالمية الناجحة تخبرنا أن قطاع الثروة الحيوانية لا ينهض بـ “الهيمنة”، بل بـ “الشراكة”. الطبيب البيطري ليس بديلاً لاختصاصي الانتاج الحيواني ، ولا العكس. كلاهما ضلعان في مثلث التنمية الحيوانية، والضلع الثالث هو الإدارة الاقتصادية الرشيدة .
إن الاستمرار في تغذية “الحساسيات المهنية” في ظل هذا المنعطف الوطني الهام هو تعطيل متعمد لعجلة الإنتاج التي نرجو ونتمنى ان تدور . الثروة الحيوانية في هذه البلاد تملك إمكانات هائلة، لكنها تحتاج إلى انسجام العقول قبل ضاعف القطعان
آخر الكلام :
إن التغيير الذي ننشده يحتم علينا الانتقال من عقلية “من الأحق؟” إلى عقلية “كيف ننجح معاً؟”. الحل يبدأ بفك الاشتباك الإداري قانونياً، وبناء ثقافة مؤسسية ترى في التنوع قوة لا تهديداً. قطاع الثروة الحيوانية اليوم لا يحتمل صراعات جانبية ، فإما أن نبني معاً بروح الفريق، أو نترك قطار التنمية يمضي ويخلفنا وراءه غارقين في تفاصيل الوصف الوظيفي وفي زوابعنا التي نختلقها بمحض إرادتنا .




