رأيعام

كلام ترابلة-عزيزة المعراج تكتب -استعادة “الذهب الأبيض” لعرشه هي معركة إرادة وتخطيط

 

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

لم يكن اجتماع اللجنة القومية للقطن الذي احتضنته الخرطوم مطلع هذا الأسبوع مجرد لقاء بروتوكولي لتبادل التقارير، بل كان بمثابة “غرفة عمليات” استثنائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث السودان الزراعي. فالمحصول الذي ظل لعقود “عموداً فقرياً” للاقتصاد الوطني، يمر اليوم بمنعطف تاريخي يفرض على الجميع التوقف ملياً أمام تساؤل جوهري: هل ينجح “الذهب الأبيض” في استرداد بريقه وسط ركام التحديات؟

الواقع الذي استعرضه البروفيسور أحمد حسن أبو عصار، المدير العام لهيئة البحوث الزراعية، لم يغلفه التجميل؛ فالتراجع الذي شهده الإنتاج في السنوات الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لتراكم أزمات التمويل، وتصاعد كلفة المدخلات، وتآكل حلقات الإرشاد الزراعي. وبمشاركة واسعة ضمت قادة الإنتاج في “الجزيرة، والرهد، وحلفا، وجبال النوبة”، بدا واضحاً أن الرغبة في التغيير قد تجاوزت مرحلة التشخيص إلى مرحلة “التدخل الجراحي”.

**إن مخرجات هذا الاجتماع تضعنا أمام مسارين لا غنى لأحدهما عن الآخر:**

1. **المسار الإسعافي:** وهو الذكاء في التعامل مع الموسم الصيفي (2026–2027). فتشكيل لجنة للتدخلات العاجلة يعني إدراكنا لضيق الوقت؛ إذ لا يمكن الحديث عن نهضة شاملة دون تأمين نجاح الموسم القادم، وهو ما يتطلب حلولاً غير تقليدية في توفير التقاوي المعتمدة وتسهيل قنوات التمويل.

2. **المسار الاستراتيجي:** وهنا تكمن الأهمية القصوى في وضع خطة تمتد حتى عام 2030. السودان لم يعد يحتمل الحلول “بالقطعة”؛ لذا فإن التوجه نحو تطوير “سلاسل القيمة المضافة” هو المخرج الوحيد. القطن يجب ألا يخرج من أرضنا مجرد “خام” زهيد الثمن، بل مادة خام لصناعة نسيج وطنية تعيد للمنتج السوداني قيمته العالمية.

لعل أبرز ما لفت الانتباه في طاولة النقاش هو المقترح الجريء بإنشاء **”محفظة تمويلية خاصة بالقطن”** والمطالبة بعودة **”مجلس القطن”**. هذه الخطوات ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي “صمامات أمان” لاستعادة الثقة بين المنتج والممول. كما أن تأكيدات شركات التأمين على جاهزيتها لتغطية كافة مراحل الإنتاج، تمثل حجر الزاوية في حماية المزارع من تقلبات المناخ والمخاطر التشغيلية.

ولعل الرقم الأكثر إثارة للانتباه، والذي يجب أن يتصدر أجندة اللجنة القومية، هو أن حوالي 70% من جملة إنتاج القطن السوداني حالياً بات يأتي من القطاع المطري. هذا التحول الدراماتيكي يضع ولايتي ‘القضارف’ و’النيل الأزرق (الدمازين)’ في قلب معركة الإنتاج، حيث أثبت المزارع في هذه المناطق قدرة فائقة على التكيف مع المتغيرات، محولاً الأراضي المطرية إلى ساحات عامرة بالذهب الأبيض

**آخر الكلام..**

إن قرار وزير الزراعة والري، الدكتور عصمت قرشي، بتشكيل هذه اللجنة القومية، هو اعتراف صريح بأن القطن هو “قاطرة التنمية”. لكن النجاح لن يتحقق فقط بالقرارات الوزارية، بل بتحويل توصيات هذا الاجتماع إلى واقع ملموس يلمسه المزارع في حقول الجزيرة والرهد وفي القطاع المطري . استعادة “الذهب الأبيض” لعرشه هي معركة إرادة وتخطيط، والاجتماع الذي استضافته هيئة أبحاث الجيولوجيا هو الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل نحو استدامة زراعية حقيقية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى