عزيزة المعراج تكتب – كلام ترابلة – مشروع الجزيرة.. عودة “قلب السودان النابض”: قصة التحدي والتعافي في “بركات”

في قاعة رئاسة مشروع الجزيرة بـ “بركات”، لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده محافظ المشروع، الباشمهندس إبراهيم مصطفى علي، مجرد استعراض للأرقام والخطط، بل كان بمثابة إعلان “شهادة ميلاد جديدة” لعملاق الاقتصاد السوداني بعد سنوات من الوجع والدمار.
من الرماد إلى السنابل
ابتدر المحافظ حديثه بواقعية مؤلمة، واصفاً حجم الدمار الذي خلفته المليشيا المتمردة؛ من نهب للآليات وتخريب للممتلكات، ما أدى لخروج المشروع عن دائرة الإنتاج لثلاثة مواسم متتالية. هذا الانقطاع لم يكن مجرد خسارة مادية، بل كان عملية “إفقار ممنهج” للمزارع الكادح. لكن، وكما تنبت الأرض من جديد، ثم جاءت دعم الحكومي “” ليرمي بطوق النجاة، عبر تخصيص ميزانية مقدرة وتوفير التقاوي، مما مكن المشروع من زراعة 850 ألف فدان في العروة الصيفية؛ وهي المساحة التي كانت بمثابة “حائط الصد” الذي حمى البلاد من فجوة غذائية وشيكة.
سيادة القرار.. “الري” في قبضة المشروع
لعل أبرز ما حمله المؤتمر هو الإعلان عن “أيلولة إدارة الري” لرئاسة المشروع. هي خطوة استراتيجية تعني إنهاء تشتت المسؤولية؛ فالمشروع اليوم يتحمل كامل المسؤولية عن “النجاح أو الإخفاق” في وصول قطرة الماء إلى الحقل. ومع استيعاب أكثر من ألف عامل و54 مهندساً في إدارة الري، وتطهير مئات الترع والمواجر، يبدو أن الإرادة الفنية بدأت تسترد عافيتها رغم تحديات الكسورات والدمار التي طالت القنوات.
لغة الأرقام والشركاء
لم يكن النجاح محلياً فحسب، بل إن استعادة الثقة دفعت منظمات دولية مثل “الفاو” (FAO) للتدخل بقوة، عبر توفير مئات الأطنان من التقاوي ودعم الثروة الحيوانية بـ 5000 رأس من الماشية. هذه الشراكات، بالإضافة إلى عودة إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القطن (15 ألف قنطار) والفول الصويا، تؤكد أن المشروع بدأ يستعيد دوره كـ “ضابط إيقاع” لأسعار الخضر والمحاصيل في الأسواق المحلية.
تحديات ما بعد العودة
بشفافية تحسب له، لم يغفل المحافظ التحديات؛ فالحماس الكبير للمزارعين بعد انقطاع الحرب أدى لزراعة مساحات فاقت أحياناً الحصص المائية المتاحة، مما تسبب في عطش بعض الأقسام. كما أن تعقيدات التمويل وإجراءات العطاءات لا تزال تشكل حجر عثرة أمام التوسع في زراعة القمح، مما دفع المزارعين نحو البقوليات.
رؤية المستقبل: “زراعة طوال العام”
الخطة التي رسمها قادة المشروع في “بركات” ليست مجرد مسكنات، بل هي استراتيجية “تعافي” شاملة تعتمد على:
* التحول الرقمي: استعادة وحدة المعلومات وأرشيف حيازات المزارعين.
* الإصلاح الهيكلي: ترتيب البيت من الداخل والابتعاد عن التجاذبات السياسية في انتخابات الجمعيات الزراعية.
* الاستثمار الذكي: فتح الأبواب أمام الشراكات الدولية (الصين وتركيا) وإدخال تقنيات “الليزر” في الري والزراعة.
آخر الكلام إ
ن ما يحدث في مشروع الجزيرة اليوم هو معركة كرامة من نوع آخر؛ معركة “سد الفجوة” وإطعام الجائع. وإذا استمر هذا الزخم الرسمي والشعبي، فإننا موعدون بموسم “التعافي الكامل” في 2026، ليعود المشروع كما كان.. منبعاً للخير، وملاذاً للأمن الغذائي السوداني.
الله يعشيكم ويطرح البركة فيكم



