عزيزة المعراج تكتب – عوار” الأخلاق

يقول الشاعر: “وإنمـا الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”؛ يبدو أن هذا البيت لم يعد مجرد حكمة تدرّس، بل صار ميزاناً حقيقياً نقيس به انحدار الواقع في حاضرة ولايتنا، مدينة “ود مدني”. فما نراه اليوم في طرقاتنا العامة يتجاوز كونه “أزمة نظافة” عابرة، ليصبح إدانة صريحة لتردٍ أخلاقي وقيمي قبل أن يكون تدهوراً بيئياً.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!إن المشهد العام في المدينة يضعنا أمام تساؤل مرير: هل نحن حقاً مجتمع نهل من قيم التربية السوية؟ وكيف يستقيم ادعاؤنا بالانتماء للدين الحنيف الذي جعل من “الطهارة” ركيزة للإيمان، بينما تعج شوارعنا بكل ما يناقض الفطرة السليمة؟ إن النظافة التي نعنيها هنا هي المفهوم الشامل؛ نظافة الأبدان والجنان، وسمو المظهر والمخبر على حد سواء.
المسؤولية المشتركة: خيبة “الراعي” و”الرعية”
هذا النداء لا يستهدف المواطن وحده، بل هو “نقد واجهي” للمسؤول الذي غض الطرف عن هذا الركام البيئي حتى صار ظاهرة. ومع ذلك، لا نعفي أنفسنا من الملامة، فالمجتمعات تُحكم بما تستحق، والقاعدة الأزلية تقول: “كما تكونوا يولى عليكم”. إن بقاء النفايات كأزمة مزمنة تمددت لسنوات، قبل الحرب وبعدها، دونما حلول جذرية أو مكبات هندسية ومطامر حديثة، ليس إلا دليلاً قاطعاً على خلل إداري جسيم، وعجز فاضح في الرؤية، وقصور يتوارثه المسؤولون بكل برود.
تشوهات بصرية وتهالك بنيوي
لقد وصلت الحالة بمدينتنا أن صار السير في طرقاتها المسفلتة “مغامرة” غير مأمونة العواقب؛ فالحفر والنتوءات باتت سبباً مباشراً للإصابات العضوية من كسور وانزلاقات، في مفارقة مضحكة مبكية لم تكن لتحدث لو وُجدت إرادة للإصلاح.
أما السلوك الشعبي، فقد بلغ حداً من الاستهتار لا يمكن تسميته إلا بـ”الخلل الأخلاقي”؛ حين يعمد البعض إلى تكديس القمامة في منتصف الطرق الحيوية، أو ترك مخلفات البناء لسنوات تسد الأفق وتضيق الخناق على العابرين، وصولاً إلى تحويل الشوارع الرئيسية إلى مساحات عشوائية لـ “الرواكيب” ومحال إصلاح العجلات. أين هيبة القانون؟ وأين دور المحليات في كبح هذا الانفلات؟
الصدأ الذي لم تزله المحن
إن السودان اليوم يمر بمخاض عسير، وحرب ضروس أتت على الشجر والحجر، وكان المؤمل أن تكون هذه الكارثة صقلاً لنفوسنا ودافعاً لتغيير سلوكنا تجاه بلادنا. فالحروب عادةً ما تصنع من الشعوب أمماً تعيد صياغة انتمائها بالعمل والالتزام، لكننا – للأسف – ما زلنا نعاني من “صدأ النفوس” الذي لم تزد الجراح إلا انكشافاً لعواره.
إن غياب الشعور بالمسؤولية، واللامبالاة التي تسكن ضمير المسؤول والمواطن على حد سواء، هي “الحرب الحقيقية” التي يجب أن ننتصر فيها أولاً. فما لم نتغير من الداخل، ستظل مدننا تعكس قبح نفوسنا مهما جملتها الخطابات.
ختاماً..
يا سادة المحليات، ويا مواطني المدينة، “ود مدني” ليست مجرد جغرافيا، بل هي كرامة سكانها. فهل ننتظر من الحرب أن تعلمنا كيف لا نلقي القمامة في الشوارع؟ أم أن الصدأ قد تمكن من القلوب فلم تعد ترى في القبح



