عزيزة المعراج تكتب – البحث العلمي في الراهن السوداني : إنجاز وطني وبطولة علمية.

في بهو قاعة المؤتمرات الدولية بمجمع “الرازي” بجامعة الجزيرة، وضمن ورشة عمل تخصصية حول “مهارات إعداد وتمويل البحوث العلمية”، حفلت بالعديد من الأوراق العلمية المتميزة ، قدّم الدكتور أمجد عثمان (كلية الهندسة المدنية بجامعة الخرطوم) ورقة علمية لم تكن مجرد عرض أكاديمي، بل تشريحاً دقيقاً لجسد البحث العلمي المنهك في السودان، والذي يفسر بجلاء سر تراجع تصنيف مؤسساتنا التعليمية عالمياً.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!
تكشف الأرقام الرسمية عن انهيار مخيف في الدعم الحكومي للتعليم العالي والبحث العلمي، إذ تراجع حجم الإنفاق من 225 مليون دولار في عام 2007 ليصل إلى 64 مليون دولار فقط في عام 2022، أي ما يعادل أقل من 0.05% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولم يقف الحد عند جفاف الموارد المادية بل جاءت الحرب الأخيرة لتقضي على ما تبقى من البنية التحتية عبر تدمير المختبرات ومراكز البيانات، وتعليق التمويل الوطني للبحوث، وتقييد حركة الأكاديميين والباحثين.
أمام هذا الانسداد الكامل، يطرح الواقع سؤالاً مصيرياً: إذا اختفى التمويل المالي، هل يتوقف البحث العلمي؟ المخرج يكمن في فك الارتباط الشرطي بين “البحث” و”السيولة النقدية”، والتحول من البحث الموجّه بالتمويل (Funding-Driven) إلى البحث الموجّه بالموارد المتاحة (Resource-Driven). يعتمد هذا النهج على هندسة أسئلة بحثية ذكية تتواءم مع الإمكانيات الواقعية وتركز على معايير الجدوى والأثر المحلي، وذلك من خلال:
استغلال البدائل منخفضة التكلفة: مثل البحوث المعتمدة على البيانات المفتوحة (Data-driven)، والدراسات التحليلية القائمة على الملاحظة ودراسة الحالة، والأوراق المرجعية والنقدية.
تفعيل المحرك المعطل (الطلاب): دمج طاقات طلاب الدراسات العليا والبكالوريوس تحت مظلة مشاريع بحثية موحدة ومستمرة، بدلاً من تشتيت جهودهم في موضوعات معزولة تبدأ دائماً من الصفر.
إعادة تعريف التمويل: بالتركيز على مدخلات غير مادية حاسمة مثل الوصول الحر للمعلومات، واستخدام البرمجيات مفتوحة المصدر، وتوسيع شبكات التعاون التشاركي.
إن القيمة الحقيقية للأبحاث لا تُقاس دائماً بحجم الميزانيات، بل بعمق الفكرة وصحة المنهجية. وفي ظل الظروف البالغة التعقيد التي يمر بها السودان، فإن الاستمرار في إنتاج المعرفة ليس مجرد نشاط أكاديمي، بل هو في حد ذاته إنجاز وطني وبطولة علمية.



