عزيزة المعراج تكتب – إن استقلالاً لا يطعم صاحبه، هو استقلال منقوص العافية

منذ فجر الاستقلال في عام 1956، لم يرفع السودانيون شعار “السودان سلة غذاء العالم” من باب الترف الفكري، بل كان إدراكاً مبكراً بأن الاستقلال السياسي الذي ناله السودان فوق منصات الاحتفال لن يكتمل ما لم يسانده <استقلال اقتصادي ينبع من باطن الأرض. اليوم، ومع تعقد المشهد السياسي والاقتصادي، يبرز السؤال الملح: كيف ترتبط الزراعة بمفهوم الاستقلال في الوجدان والدولة السودانية؟
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!.الزراعة كقاعدة للتحرر الوطني
ارتبطت الزراعة في السودان تاريخياً بمفهوم “الكرامة”. ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الاستعمارية تنظر للسودان كمزرعة قطن كبرى لتزويد مصانع “لانكشاير” البريطانية، كان حلم الرواد الأوائل هو تحويل هذه الموارد لخدمة الشعب السوداني أولاً.
إن الاستقلال الحقيقي يعني امتلاك القدرة على اتخاذ القرار، ولا يمكن لدولة أن تملك قرارها وهي تستورد رغيف خبزها من الخارج. هنا تصبح الزراعة هي خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية.
. الاقتصاد الزراعي: محرك الاستقرار
يمثل القطاع الزراعي في السودان العمود الفقري لحياة أكثر من 60% إلى 80% من السكان الذين يعتمدون عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. الارتباط هنا عضوي؛ فتعافي الزراعة يعني:
استقرار العملة الوطنية: عبر تقليل فاتورة الاستيراد وزيادة الصادرات (الصمغ العربي، الحبوب الزيتية، الماشية).
الأمن الغذائي: وهو الركيزة الأساسية لمنع التبعية للقوى الخارجية التي تستخدم “الغذاء” كسلاح سياسي.
الحد من النزاعات: أغلب النزاعات في السودان جذورها حول الموارد (أرض وماء)، وتطوير الزراعة وتنظيمها يعني إنهاء مسببات الاحتراب الداخلي.
الفجوة بين الإمكانيات والواقع
رغم امتلاك السودان لملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ومصادر مياه متنوعة، إلا أن “التبعية الاقتصادية” لا تزال تلاحقنا. إن عدم استغلال هذه الموارد بالشكل الأمثل جعل البلاد عرضة للاهتزازات مع كل أزمة عالمية في سلاسل الإمداد.
”إن استقلالاً لا يطعم صاحبه، هو استقلال منقوص العافية.”
الطريق نحو “استقلال ثانٍ”
لكي تتحول الزراعة من “نشاط معاشي” إلى “رافعة للسيادة”، يحتاج السودان إلى:
توطين التصنيع الزراعي: لإضافة قيمة مضافة للمحاصيل بدلاً من تصديرها خاماً.
التكنولوجيا الزراعية: لزيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد.
الإصلاحات التشريعية: التي تضمن حقوق المزارعين وتجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية المسؤولة.
الزراعة والاستقلال
إن الربط بين الزراعة والاستقلال في السودان ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو ضرورة وجودية. فالمحراث في يد المزارع السوداني لا يقل أهمية عن القلم في يد المثقف أو البندقية في يد الجندي لحماية حياض الوطن. إذا أراد السودان أن يستعيد بريقه كدولة قائدة، فعليه أن يعود إلى “الأرض”، فهي المصدر الوحيد الذي لا ينضب للسيادة والكرامة.




