عزيزة المعراج تكتب – رحيل “النسمة” التي داوت علل النفوس.. وداعاً د. صديق عيسى

في يومٍ كان من المفترض أن نحتفي فيه بفرحة العيد، باغتَنا القدر برحيلٍ مزق نياط القلوب، وأطفأ شمساً كانت تضيء عتمة الحيرة في نفوس طلابها. رحل الأستاذ الجليل، والمربي الفاضل، الدكتور صديق عيسى.. رحل الرجل الذي لم يكن مجرد اسمٍ في سجلات الأكاديميين بجامعة الجزيرة، بل كان “نسمةً” تمر على الأرواح فتشفي عللها، وتمسح بوقارها عن كواهلنا وعثاء الطريق.
كيف لنا أن ننعي “عموداً” استندت إليه كلية العلوم الزراعية لسنوات؟ وكيف لنا أن نرثي نجماً ساطعاً غاب عن سمائنا، وهو الذي خرج أجيالاً من “الزراعيين” الذين يحملون اليوم أمانة الأرض والوطن في كل شبر من بلادي؟
لقد كان الراحل المقيم، د. صديق، طرازاً فريداً من البشر؛ يجمع بين صرامة العلم ولين المعاملة، وبين هيبة العالم وتواضع الأنبياء. دخل قلوب تلاميذه قبل عقولهم، فكان لنا الأب حين تضيق بنا السبل، والمنارة حين تتوه منا المقاصد. لم يكتفِ بتدريسنا أصول الزراعة وعلوم الأرض، بل زرع فينا الأخلاق، والصدق، والوفاء.. فنعم الغارس ونعم الغرس.
يا أستاذي الجليل.. يرحل جسدك اليوم، ولكن تظل “جامعة الجزيرة” تردد صداك في قاعاتها، ويظل “تراب” الكلية يشهد على خطاك الواثقة، ويظل آلاف الطلاب يدعون لك بظهر الغيب، فكل نجاح يحققونه هو صدقة جارية في ميزان حسناتك.
عزائي لزملائي الطلاب الذين يتمتمون اليوم بكلمات الفقد، وعزائي لأساتذتي الأجلاء رفقاء دربه، فالمصاب واحد، والوجع ممتد بمساحة هذا الوطن الذي فقد أحد أنقى رجاله.
وداعاً يا من كنت كالنسمة في رقتك، وكالنخلة في عطائك، وكالجبل في ثباتك. نم قرير العين في رحاب ربٍ كريم، فقد أديت الأمانة، ونصحت الأمة، وتركت فينا ما لا يمحوه الغياب.
اللهم اغفر له وارحمه، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء، واجعل عيده في الجنة أجمل.



