رأي

الأستاذ: موسى داؤد يكتب – «ياسر العطا… حين تمشي الدولة إلى جبهتها ويُكتب النصر بخطى القادة»

حين وطئت قدما ياسر العطا أرض متقدّم الأبيض لم يكن ذلك عبور قائدٍ إلى جبهةٍ عسكرية بقدر ما كان دخول معنى إلى قلب الوطن فالأبيض التي تتقاطع عندها طرق الجغرافيا وتشتبك في فضائها خرائط المصير استقبلت رجلاً يحمل في صمته صلابة الجبال وفي نظرته يقين الجنود وفي خطوه إيقاع الدولة التي ترفض السقوط لم يأتِ ليُصافح البنادق بل ليؤكد لها أن الوطن واقف خلفها وأن السيادة ليست شعاراً يُرفع بل دمٌ يُحرس وإرادةٌ لا تنكسر

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

في تلك اللحظة لم يكن العطا قائداً يوزع التحيات بل كان روحاً تمشي بين الصفوف تقرأ في عيون المقاتلين حكايات الشهادة والانتظار وتردّ عليها بوعد النصر حين حيّا شهداء معركة الكرامة لم يكن يستدعي أسماءهم من ذاكرة البروتوكول بل من وجدان الأمة فجعل من دمائهم جسراً تعبر عليه الدولة إلى مستقبلها ومن تضحياتهم سُلّماً ترتقي به الكرامة إلى مقامها اللائق فالشهداء في خطابه لم يكونوا غياباً بل حضوراً كثيفاً يضيء الطريق ويمنح المعركة معناها الأخلاقي العميق

وهو يتنقّل بين قوات الهجانة والوحدات المشتركة كان كمن يعزف سيمفونية الانضباط والوفاء فالهجانة التي وصفها بأنها ساس كل الجيوش ليست مجرد تشكيل قتالي بل ذاكرة وطنية تمشي على الرمل وتعرف كيف تحمي الحدود بالقلب قبل السلاح وإشادة العطا بها لم تكن ثناءً بل اعترافاً بأن هذه القوات تمثل العمود الفقري لصلابة السودان وأنها حين تنتصر يشعر الشعب بأن جذوره ما زالت ضاربة في الأرض

ومن خلف هذا المشهد الميداني كانت تقف دولة بكامل هيبتها إذ نقل تحيات القائد العام عبد الفتاح البرهان ورئيس الأركان لم يكن إجراءً شكلياً بل رسالة تقول إن القرار واحد وإن القيادة متماسكة وإن الجبهة الداخلية لم تتصدع ففي الحروب الكبرى لا تنتصر الجيوش بكثرة العتاد وحده بل بوحدة الإرادة وتماسك السلسلة التي تربط الخندق بالقمة

زيارة العطا للأبيض في جوهرها كانت إعادة رسم لخريطة الثقة بين الجيش والشعب فحين يرى المواطن قائده في قلب الميدان يدرك أن المعركة ليست متروكة للمجهول وأن الوطن لم يُدار من خلف المكاتب بل من أمام المتاريس وهكذا تحولت الزيارة إلى فعل سيادي يعيد تعريف الدولة بوصفها جسداً يقاتل وعقلاً يخطط وروحاً تؤمن بأن السودان يستحق أن يُحمى حتى آخر نفس

وفي زمن تتكاثر فيه الظلال وتتشابك فيه المؤامرات يطل ياسر العطا كبطل سوداني لا يطلب المجد بل يصنعه بهدوء رجل يعرف أن التاريخ لا يكتب بالخطب بل بالثبات وأن النصر لا يولد من الصخب بل من صبر الرجال الذين يقفون في العراء ليبقى الوطن دافئاً وهكذا خرجت الأبيض من زيارته أكثر اطمئناناً وخرج السودان أكثر يقيناً بأن في هذا البلد قادة يعرفون كيف يُمسك الضوء من بين ألسنة النار ويحولون وجع الحرب إلى أفق نصر قريب.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى