عزيزة المعراج تكتب/كلام ترابلة – ملايين خارج “صكّ الاستطاعة”.. فلسفة الأضحية في زمن الغلاء السـوداني اللاهب

في مثل هذه الأيام من كل عام، كان حراك أسواق الأنعام يشكل الإيقاع الروحي واليومي للمدن والقرى السودانية. غير أن العيد هذا العام يطرق الأبواب على وقع أرقام فلكية لأسعار الأضاحي، جعلت “كبش الفداء” عصياً على الجيوب، وثقيلا على القلوب ، ودفعت بالعلماء والمفتين إلى التذكير المتكرر بـ “فقه الاستطاعة”. لكن وراء لغة الأرقام الجافة وفتاوى الإعفاء، تقف “حسرة صامتة” في بيوت سودانية تعودت على الكرم، ووجدت نفسها اليوم، وبفعل الغلاء الفاحش، خارج دائرة القدرة تماماً.
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!إن التناول المعتاد لأسعار الخراف والمقارنة بين العام الحالي والماضي، لم يعد ينفذ إلى عمق الأزمة. الزاوية التي تستحق التدبر اليوم هي: كيف نعيد تعريف معنى العيد والتكافل حين تصبح الشعيرة ترفاً لا تملكه الأغلبية الساحقة من الشعب؟
إن أخطر ما في هذا الغلاء الفاحش ليس غياب اللحم عن الموائد، بل “العبء النفسي” والاجتماعي الذي يثقل كاهل رب الأسرة السودانية. الإنسان السوداني، الذي عُجن بكبرياء خاص وعزة نفس موروثة، يجد نفسه اليوم في امتحان عسير أمام أطفاله الذين لا يدركون تعقيدات التضخم وانهيار القوة الشرائية.
هنا تبرز المسؤولية الأخلاقية للإعلام والمجتمع؛ في ضرورة “أنسنة” غياب الأضحية ونزع الحرج الاجتماعي عنه. يجب أن نجهر بصوتٍ عالٍ: أن عدم التضحية لضيق ذات اليد ليس منقصة، ولا مجلبة للخجل. إن الشريعة التي أسقطت الواجب عن غير المستطيع، تدعونا اليوم إلى حماية الخواطر من الانكسار أمام سطوة المقارنات الاجتماعية، وأمام ثقافة “المظهرية” التي تصر على إظهار القدرة ولو عبر الاستدانة المرهقة.
حين يخرج معظم السودانيين من “استطاعة التضحية”، تفرض الضرورة والمسؤولية الشرعية والمجتمعية ابتكار صيغ جديدة للتكافل. إن الأسلوب القديم القائم على أن “يُهدي المقتدر جاره غير المقتدر” قد يتراجع هذا العام لأن المقتدرين أنفسهم باتوا قلة نادرة.
المرحلة تتطلب تفعيل “فلسفة الـتشبيـك والـتشارك”؛ كأن تتشارك الأسر الممتدة أو الجيران في الأضحية عبر صيغ “الـشركاء في الثمن” (كالذبح الجماعي للأبقار إن تيسر فقهياً وطبقاً للضوابط)، أو عبر المبادرات الجماعية التكافلية داخل الأحياء والقرى، حيث يتم تجميع المساهمات لشراء ما يمكن شراؤه وتوزيعه بعدالة ومواساة للجميع. الهدف هنا ليس “إطعام اللحم”، بل إشعار كل فرد في الحي بأنه ليس وحده في هذه المحنة .
من منظور تحليلي، لا يمكن تجاوز السؤال الجوهري: كيف لبلدٍ ينام على ثروة حيوانية هائلة تُقدر بالملايين، ويعتبر من المصدرين الأساسيين للماشية، أن يعجز مواطنه عن شراء خروف في كبرى أسواقه؟
إن الغلاء الفاحش للأضاحي يعكس خللاً بنيوياً في سلاسل الإمداد، وجشع السماسرة، وتصاعد تكاليف النقل والضرائب، وهو ما يتطلب وقفة حاسمة من الجهات السيادية والتنفيذية. المواطن الذي يدفع ثمن الاختلالات الاقتصادية من قوته اليومي، لا يجب أن يُترك وحيداً في مواجهة سماسرة المواسم.
آخر الكلام
إن غابت الأضاحي عن أفنية معظم البيوت السودانية هذا العام بفعل الغلاء ووجع الظروف، فإن روح العيد لا يجب أن تغيب. التقوى صعود طاهر نحو غايات الدين العميقة، والتعاطف والتراحم وجبر خواطر الآباء والأمهات هو الأضحية الحقيقية (والزمان مسغبة). لندخل هذا العيد متخففين من الحرج، متسلحين بوعي جديد يرى في “سلامة النفوس وعزتها” القيمة الأسمى التي لا تُقدر بثمن، ولا تُقاس بأسواق الخراف.
حقو الناس تعيش طيبه
وتزرع فيها كل جميل
عشان لما الصباح يرحل
وتبقى الدنيا كلها ليل
كل جميل زرعتو قبيل
يرجع يبقي ليك دليل




